الفوتوغرافي المغترب أركان ناصح لـ ( الزمان ): الصورة لغة عالمية كالإبتسامة لا تحتاج ترجمة
أنقرة ـ صلاح الربيعي
في عالم الصورة الفوتوغرافية حيث تمتزج الموهبة بالرؤية الفنية والقدرة على اقتناص اللحظة النادرة يبرز اسم الفنان المغترب البروفيسور أركان ناصح بوصفه واحداً من الوجوه العراقية الفنية التي استطاعت أن تترك بصمتها في المشهد الفوتوغرافي خارج الوطن ومن خلال عدسته التي جابت مدناً وثقافات متعددة في أوربا وأماكن أخرى حول العالم نجح في تقديم أعمال تجمع بين الحس الإنساني والبعد الجمالي حاصداً التقدير في العديد من المعارض والفعاليات الفنية ورغم سنوات الغربة ظل العراق حاضراً في ذاكرته الإبداعية ومشاريعه الفنية لتتحول الصورة لديه إلى جسر يربط بين الوطن ومنافيه البعيدة وفي حوار لـ(الزمان) جرى عن بُعد تحدث الناصح عن محطات تجربته الفنية ورؤيته لفن التصوير الفوتوغرافي وأبرز التحديات التي واجهته في مسيرته المهنية والإبداعية وبدأنا الحوار بالسؤال التالي:
□ كيف بدأت رحلتك مع فن التصوير الفوتوغرافي وما الذي شجعك على احترافه ويصبح جزء أساسياً من حياتك المهنية؟
-منذ نعومة أظفاري نشأتُ في كنف عائلةٍ يرفرف الفن على نوافذها ويُصاغ الجمال في تفاصيلها اليومية حيث كان والدي رحمه الله ملحقاً ثقافياً بالسفارة العراقية في القاهرة وهو فنان تشكيلي مرهف الإحساس يعشق عدسة الكاميرا كما يعشق اللون والريشة وكانت والدتي مصممة ديكور مسرحي تصنع من الضوء والخشب مملكة من الخيال وبحكم تلك الأجواء أصبح بيتنا مزارا لنخبة مشاهير التمثيل المسرحي والسينمائي والتلفزيوني في مصر حيث كنت أتابعهم وأنا بعمر صغير وأراقب تألقهم عن قرب حينها منحوني أهلي كاميرة تصوير لتكون لي فرصة بتوثيق لحظاتهم أثناء العمل ومنذ تلك اللحظة أحببت التصوير والصورة وعشقتُ روح الشخصية وتعابير الوجوه ولغة الصمت في عيون الأشخاص والفنانين الذين كنت أرافقهم وأصورهم في صالات العرض وخشبات المسارح وميادين التمثيل السينمائي فأبهرتني سطوة الأضواء وأسرتني هندسة الضوء والظلال على عتبة المسرح بحيث نشأت علاقة عشقٍ ثلاثية الأبعاد بيني وبين الضوء والصورة والشخصية ولم أكتفِ بالشغف بالتصوير بل صقلته علماً وأكاديميا حيث درستُ التصوير والمسرح في أكاديمية الفنون المصرية ثم أكملت دراساتي العليا في أكاديميات وجامعات ألمانيا وإيطاليا والنمسا حتى اكتملت ملامح هويتي كمصور للأعمال المسرحية وللشخصيات الثقافية والفنية كوني صائدا للضوء وابنُ بيتٍ فنيٍّ أصيل وها أنا اليوم بعد رحلةٍ طويلة قد وثّقتُ بعدستي آلاف الصور لتلك الوجوه التي صنعت ذاكرة الفن العربي و العالمي عبر سنوات طويلة.
معنى دفين
□ ما هي الرسالة التي تسعى إلى إيصالها للجمهور من خلال عدستك وهل ترى أن الصورة قادرة على التأثير في الرأي العام أكثر من الكلمة المكتوبة؟
-رسالة المصور العاشق لعدسته هي أن يُوقظ في الناس بصيرة الرؤية قبل البصر فيكشف لهم الجمال الخفي والمعنى الدفين في تفاصيل الحياة التي اعتادوا المرور عليها دون تأمل وبالتأكيد الصورة أقوى تأثيراً في الرأي العام من الكلمة لأنها لغة عالمية كالابتسامة لا تحتاج ترجمة تخترق القلب قبل العقل بلمح البصر وتثبت الحقيقة بدليل بصري لا يقبل الجدل فبينما تجادل الكلمة العقل فان الصورة تلامس الوجدان مباشرة وتترك أثراً لا يُمحى مهما طال الزمن.
□ بصفتك مصور عراقي محترف مقيم في الخارج كيف انعكست تجربة الاغتراب على رؤيتك الفنية واختيارك للمواضيع التي توثقها؟
-الاغتراب لم يكن منفى لعدستي بل كان منفذ ضوءٍ جديد فالمصور المقيم خارج وطنه لا يرى الأشياء بعين المواطن المعتاد بل بعين المشتاق الذي يفتش عن ملامح الهوية في كل تفصيلة وهذا البعد الجغرافي صقل رؤيتي فصرتَ انتقي أعمالي كمن يلتقط جواهر الذاكرة لا أصور مسرحاً عابراً بل أوثق روح المسرح والإنسان حيث يلتقي الشرق بالغرب ولا التقط وجه فنان فقط بل اصطاد ملامح الحنين والكرامة في عينيه والغربة علمتني أن الضوء في روحي وحده هو الوطن المتنقل فصارت عدستي جسراً توثق للعالم فخامة الفن العربي والعالمي ورموزه العالية وتؤرخ لما تبقى من أصالةٍ في زمن التشتت حتى تحولت تجربة الاغتراب من وجع إلى عدسة مكبرة أظهرت في أعمالي عمقاً وصدقاً لا يملكه إلا من نظر للوطن من بعيد.
□ ما أبرز التحديات التقنية والفنية التي تواجه المصور المحترف اليوم في ظل التطور السريع للهواتف الذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي؟
-أبرز التحديات لدي في العدسة أو الإضاءة تكون في معركة المعنى أمام طوفان السهولة في التقاط الصورة والتحدي التقني الجديد هو الهاتف الذكي الذي حول الجميع إلى مصورين وصارا لزبون يقارن عملنا بفلتر جاهز عبر الذكاء الاصطناعي الذي يقدم صورة بلا ذاكرة ولا وجع ولا انتظار للحظة الحاسمة المطلوبة أما التحدي الفني الأكبر فهو الحفاظ على بصمة الروح في اللقطة لذلك أسعى بأن اجعل صورتي المسرحية أو بورتريه الشخصية الفنية أو الثقافية عملاً لا يستطيع الخوارزمي تقليده والمصور المحترف وحده هو الذي يرى ويشهد ويحس بقلبه كون الذكاء الاصــــطناعي ليس له قلب ولا شـــــــعور ولا يحس بالألم والمعاناة.
/ ماهي الصورة التي التقطتها وتعتبرها الأقرب إلى قلبك أو الأكثر تأثيراً في مسيرتك المهنية ؟
جميع صوري ليست مجرد لقطات عابره بل هي لحظة وجود اختطفتها من عبث الزمن وأخلّدها بوجعي وشغفي فتصبح كل صورة بمثابة ابني الروحي الذي شهدت ولادته في لحظة ضوءٍ لن تتكرر ولا أفضل صورة على أخرى لأني وقبل أن أكون فنانا فأنا إنسان يحمل مشاعر من صنع الرب العظيم كما لا يفضل الأب ابناً على آخر وعندي صورة المسرح تحمل دفء الطفولة ورائحة المسرح تشبه رائحة أبنائي العبقة وبور تريه الشخصية الفنية أو الثقافية يحمل فخر التوثيق ومسؤولية الشهادة للحظة عشتها بخيالي ولهذا تبقى جميعها الأقرب إلى القلب والأكثر تأثيراً في المسيرة وباختصار كل ماتم تصويره هو سجل إنساني وكل ضغطة زر من كاميرتي هو نبضة من قلب ابن لم يعد يستطيع استرداد تلك النبضة الفائتة فكيف يفرط فيها ؟
/ ما هي القصة التي لفتت نظرك لتتمكن بان تجعلها صورة ناطقة للناس ؟
القصة التي تجذب عين المصور الحقيقي ليست التي تصرخ بالألم بل التي تهمس بالإنسانية في زحام الضجيج تلك اللحظة التي يتجلى فيها المعنى خلف المشهد فالصورة المثيرة للناس لا تولد من معاناة المصور فحسب بل من قدرته على أن يجعل آلامه جسراً مرتبطا بالآم الآخرين فيرى في تجاعيد وجه عجوز مسنة حكاية وطن وفي دمعة طفل صامت صرخة عالم وفي معاناة إنسان مقعد لايستطيع النهوض من كرسيه وأمله بان يمشي ذات يوم يجسد المصور الفنان ذلك حين يتحول من ناقل بصر إلى شاهد بصيرة ينتظر اللحظة الحاسمة بصبر الصياد ويختار الضوء الذي يكشف الروح لا الجسد ويؤطر الحكاية بحيث يصبح المشاهد طرفاً فيها لا متفرجاً عليها وهكذا تتحول الصورة من ورقٍ إلى وجدان ومن لقطةٍ إلى شهادة إنسانية لا تنسى وحقا مازلت انتظر تلك الصورة وأبحث عنها باستمرار .
/ كيف تنظر لمستقبل الصورة الفوتوغرافية وسط ظهور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ؟
أنظر لمستقبل الصورة الفوتوغرافية بعين العالم المتفائل وقلب الفنان الحذر فالذكاء الاصطناعي لن يقتل الصورة بل يتعامل معها علمياً وسيتحول دوره إلى أداة إنتاج سريعة تخلق الصور بلا ذاكرة في حين تبقى عدسة المصور المحترف أداة شهادة تخلق الصور بذاكرة ووجع ونية صادقه أدبياً لذا سيشهد المستقبل معركة بين الصورة المصنعة التي تبهر العين والصورة الحية الملتقطة التي تهز الروح فالخوارزمية رغم أنها تتقن تركيب الضوء لكنها تعجزعن صنع اللحظة الحاسمة ولا تملك حدس المسرح أو مشاعر الإنسان ولا ترتجف أمام عين فنان لذلك ستتضاعف قيمة المصور المحترف كلما كثر التزييف وتطورت التكنولوجيا .
/ ما مشاريعك القادمة التي تطمح الى تنفيذها بفن التصوير ؟
المشروع المهم الذي أعكف على دراسته وتنفيذه وتحضيره منذ فترة طويلة بمساعدة زملاء بالمهنة مع إعلاميين وصحفيين وموثقين رقميين هو تأسيس مكتبة أوربية رقمية لفنون الفوتوغراف مقرها الرئيس بروما وستكون برئاستي مع فروع بدول الاتحاد الأوربي يديرها متخصصون ترتبط بشبكه عنكبوتية متصلة توفر المعلومات وتوثقها عن مجمل تاريخ فناني التصوير الأوربيين منذ بداية التصوير بأوربا وتنظم وتنسق سيرتهم الذاتية وأعمالهم وصورهم وانجازاتهم الفنية بأرشيف متقن يدار بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد قطعنا شوطا كبيرا بهذا المشروع لحين الانجاز .
/ برأيك من الأجمل : الصورة بالأبيض والأسود أم الصورة الملونة ؟
تتشابه الفواكه ولكنها جميعها لذيذة كذلك الصورة فلا أجمل بالمطلق بين الأبيض والأسود ( المونوكلر) والصورة الملونة بل لكلٍ منهما لذته وبلاغته العلمية والفنية وان الصورة بالأبيض والأسود تكون أجمل حينما نريد أن نعرّي الروح من ضجيج الألوان أو نصور مأساة تثير فينا الحزن فعلمياً ألصورة المونوكلر تحذف تشتيت الطيف الضوئي وتجبر العين على قراءة التباين والملمس والظل فتصبح الصورة قصيدة مشاعر خالصة عن الزمن والحنين أما الملونة فأجمل حينما تكون الحكاية في اللون نفسه فعلمياً يستقبل المخ 80% من المعلومات البصرية عبر الألوان وستبهرك ألوان المسرح ومشاهد الاحتفالات وقد ينقل لك اللون دفء الغروب وخضرة أرض الوطن أوحمرة الشفاه بصدق فيزيائي مباشر والأجمل حتما هو ما يخدم رسالة اللحظة أما إن كانت الحكاية عن الذاكرة والوجدان فالأبيض والأسود سيدها وإن كانت عن الحياة بكل صخبها فالألوان تاجها
/ ماهي أهم المنجزات والمعارض الفنية التي تم تنفيذها في مجال التصوير الفوتوغرافي ؟
في الواقع سؤالكم ذهب بنا الى ذكرى انجاز فني أرسيت دعائمه في جمهورية مصر العربية الشقيقة ثم حملت مشعله الى ايطاليا وأوربا بشكل عام وخلال دراستي في أكاديمية الفنون المصرية وعملي كمصور في المسرح القومي في سبعينات القرن الماضي لاحظت كيف تجذب الصور الفوتوغرافية الملونة جمهور صالات العرض المسرحي والسينمائي حينها اقترحت على عميدة المسرح العربي الفنانة الراحلة سميحة أيوب أن نعامل خشبة المسرح معاملة الشاشة ونحول بهو المسرح الى معرض مؤقت لكل مسرحية تعرض هناك وليتم عرض الصور والبوسترات الدعائية الملونة أسوة بالسينما فاقتنعت الفنانة أيوب بالفكرة وتم تنفيذها مع تعميمها على مسارح القاهرة ثم تم تطوير هذا الأسلوب في أوربا إضافة الى تصوير نجوم العالم في هوليوود ونشرت صوري التي التقطتها على أغلفة المجلات والأقراص الليزرية وصفحات الصحافة العالمية وأقيم سنويا معارض محلية وعالمية يتم تداولها في صحف ومجلات ومتصفحات العالم الرقمية الالكترونية .
الناصح في سطور
الناصح مصور باحث ومستشار وخبيرمتخصص بفنون المسرح والسينما والإعلام الفني والثقافي والبورتريت ولد ببغداد عام 1953 في منطقة الأعظمية المعروفة بالمثقفين والمبدعين حاصل على العديد من الشهادات الأكاديمية والفنية العليا من جامعات دولية مختلفة وثق لنحو نصف مليون صورة ملونة وتصوير بما يزيد على 150 مسرحية في داخل العراق وخارجه وعمل بمراكز وعناوين إدارية متخصصة مختلفة وحصل على عشرات الأوسمة الشهادات التقديرية والألقاب الفنية والعلمية من الدرجة الأولى وأصبح عضوا في الهيئة الإدارية لجمعية خبراء التصوير والصوت الأوربية EISA فرع ايطاليا / العاصمة روما المقيم فيها حاليا .