وطن يهتف في الغربة
محمد رسن
هذا الشعب العراقي شعبٌ مدنيٌّ محبٌّ للحياة، مولعٌ بالفرح ومفتونٌ بالجمال، رغم كل ما مرّ به من قسوة العيش وتراكم الأزمات، ورغم ما فرضته الأحزاب اللا إسلامية من هيمنةٍ على مقدّرات البلاد والعباد، ما زال متمسّكاً بالأمل، منحازاً للحياة، مؤمناً بالتنوّع والحرية.
فالعراقي، في جوهره، لم يفقد مدنيّته يوماً، بل ظلّ يعبّر عنها في تفاصيله اليومية؛ في المقاهي والأسواق، في الموسيقى والقراءة، وفي طريقة تعامله مع الآخر بروحٍ أقرب إلى التسامح والانفتاح. وحتى حين يشتدّ عليه الواقع، لا يتخلّى عن حقه في الفرح، وكأن الحياة بالنسبة له مقاومةٌ ناعمة ضد القسوة.
ورغم محاولات فرض أنماطٍ فكريةٍ واجتماعيةٍ لا تنسجم مع طبيعته، بقي المجتمع العراقي عصيّاً على الاختزال. فكل خطاب إقصائي يقابله نزوعٌ إلى التعدد، وكل دعوة للانغلاق يقابلها توقٌ أعمق إلى الانفتاح، وكأن هذا الشعب يعيد تعريف نفسه في كل مرحلة من تاريخه.
وفي المشهد الرياضي أيضاً، تتجلى هذه الروح بوضوح؛ فالملاعب والمباريات ليست مجرد أحداث عابرة، بل مساحات يتقاطع فيها الانتماء مع الحلم. وفي مباريات تقام اليوم في أمريكا، يظهر حضور العراقيين بشكل لافت، حيث ينزلون إلى الشوارع ويتجمعون أمام فندق منتخبهم، رافعين العلم العراقي في مشهدٍ يوحّدهم رغم تباعد المدن والمنافي.
هناك، أمام الفندق، يتحول العلم إلى مساحة وطنٍ مصغّر، ويصبح التجمع أكثر من مجرد تشجيع رياضي؛ إنه لحظة استعادة رمزية للعراق في الغربة، حيث يلتقي أبناء بلدٍ واحد حول رايةٍ واحدة، وتذوب الفوارق أمام شعورٍ جمعي عميق بالانتماء. كأن الكرة، في تلك اللحظة، تعيد ترتيب الذاكرة وتجمع ما فرّقته المسافات.
لقد أثبت العراقيون أن المدنية ليست ادّعاءً ولا شعاراً سياسياً، بل سلوكٌ حيّ يتجلى في قدرتهم على التعايش رغم الاختلاف، وعلى الضحك رغم الألم، وعلى الاستمرار رغم الانكسار.
ويبقى العراق، في عمقه الحقيقي، بلداً أكبر من محاولات التشويه، وأقوى من كل مشاريع التضييق، لأن جذوره الإنسانية والحضارية أعمق من أن تُقتلع، وأوسع من أن تُختزل في صورة واحدة.