الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من يختار رئيس الوزراء .. الناخب أم التفاهمات؟

بواسطة azzaman

في إصلاح النظام السياسي العراقي (3-3)

من يختار رئيس الوزراء .. الناخب أم التفاهمات؟

سامي العسكري

 

تتكرر في العراق، بعد كل أزمة سياسية أو تعثر في تشكيل الحكومات، الدعوات إلى الانتقال نحو النظام الرئاسي بوصفه حلاً لما تعانيه البلاد من انسداد سياسي وصعوبة في إنتاج حكومات مستقرة.

ورغم أن هذه الدعوات تبدو مفهومة في ظل الإحباط المتكرر الذي يرافق كل انتخابات، إلا أن الانتقال إلى نظام رئاسي يتطلب تعديلات دستورية واسعة ومعقدة تبدو، في الظروف الحالية، أمراً بالغ الصعوبة. كما أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في كون النظام السياسي برلمانياً، بقدر ما تكمن في الطريقة التي جرى بها تفسير وتطبيق بعض قواعد هذا النظام، وفي مقدمتها مسألة «الكتلة الأكبر» صاحبة الحق في ترشيح رئيس الوزراء.

أين تبدأ المشكلة؟

في الأنظمة البرلمانية المستقرة، يذهب الناخب إلى الانتخابات وهو يمتلك تصوراً واضحاً ـ ولو بصورة تقريبية ـ عن شكل الحكومة المحتملة، أو على الأقل عن الشخص الذي قد يتولى رئاسة الحكومة إذا فازت القائمة التي صوّت لها.

تفاهمات سياسية

أما في العراق، فإن الناخب يشارك في الانتخابات دون أن يعرف من سيكون رئيس الوزراء، ولا شكل التحالفات التي ستتشكل بعد إعلان النتائج، ولا طبيعة التفاهمات السياسية التي ستحدد في النهاية هوية الحكومة المقبلة.

وفي كثير من الأحيان، تبدأ العملية السياسية الحقيقية بعد انتهاء الانتخابات لا قبلها، عبر سلسلة طويلة من المفاوضات والتحالفات التي قد تغيّر بصورة كاملة المشهد الذي قدمته القوى السياسية للناخبين خلال الحملات الانتخابية.

الكتلة الأكبر... من النص إلى التفسير

تنص المادة (76) من الدستور على تكليف مرشح «الكتلة النيابية الأكثر عدداً» بتشكيل مجلس الوزراء. وعندما كُتب الدستور كان الفهم السائد لدى أغلب المشاركين في صياغته أن المقصود بذلك هو الكتلة التي تفوز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات.

إلا أن التفسير الذي اعتمدته المحكمة الاتحادية عام 2010 اعتبر أن الكتلة الأكبر قد تكون الكتلة الفائزة في الانتخابات، أو الكتلة التي تتشكل من اندماج قائمتين أو أكثر بعد إعلان النتائج وقبل انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب.

وقد أدى هذا التفسير إلى نقل مركز الثقل السياسي من صناديق الاقتراع إلى المفاوضات اللاحقة للانتخابات، بحيث أصبح تشكيل الحكومة يعتمد في كثير من الأحيان على التفاهمات والتحالفات التي تجري بعد إعلان النتائج أكثر مما يعتمد على النتائج التي أفرزتها الانتخابات نفسها.

ومع مرور الوقت، أفرز هذا الواقع آثاراً سياسية مهمة، من أبرزها إضعاف العلاقة المباشرة بين اختيار الناخبين وبين تشكيل السلطة التنفيذية، وتعزيز حالة الغموض التي تحيط بمسار تشكيل الحكومات، فضلاً عن تحويل جزء كبير من التنافس السياسي من مرحلة ما قبل الانتخابات إلى مرحلة ما بعدها. بين النظام البرلماني وحق الناخب في المعرفة

إن الدفاع عن النظام البرلماني لا يعني القبول باستمرار هذه الحالة من الغموض. ففي الديمقراطيات البرلمانية الراسخة تبقى معرفة الناخب بالخيارات المطروحة أمامه جزءاً أساسياً من العملية الديمقراطية ومن شرعية النظام السياسي نفسه.

ومن غير المنطقي أن يذهب ملايين المواطنين إلى صناديق الاقتراع دون أن يعرفوا من هو الشخص الذي تسعى القائمة التي يصوتون لها إلى إيصاله لرئاسة الحكومة، أو أن يكتشفوا بعد الانتخابات أن التفاهمات السياسية أفرزت شخصية لم تكن مطروحة أمامهم أصلاً أثناء الحملة الانتخابية.

إصلاحان ممكنان داخل الإطار الدستوري القائم

إن معالجة هذا الخلل لا تستوجب تغيير النظام البرلماني ولا تتطلب تعديلاً دستورياً شاملاً، بل يمكن أن تبدأ بخطوتين إصلاحيتين عمليتين ضمن الإطار الدستوري القائم.

الخطوة الأولى تتمثل في تعديل قانون الانتخابات بما يلزم القوائم أو التحالفات الانتخابية بالإعلان المسبق عن مرشحها لرئاسة مجلس الوزراء قبل إجراء الانتخابات. ويمكن كذلك النص على أن يكون المرشح هو صاحب أعلى الأصوات ضمن القائمة الفائزة، وفي حال تعذر تكليفه لأي سبب ينتقل الترشيح إلى الذي يليه وفق ترتيب الأصوات.

خطوة ثانية

ومن شأن هذا الإجراء أن يمنح الناخب وضوحاً أكبر عند التصويت، ويجعل المنافسة الانتخابية قائمة على البرامج والقيادات المعروفة للرأي العام، كما يعزز مبدأ المساءلة السياسية ويقوي العلاقة بين نتائج الانتخابات وتشكيل الحكومة.

أما الخطوة الثانية فتتمثل في مراجعة التفسير الذي اعتمدته المحكمة الاتحادية عام 2010 بشأن مفهوم الكتلة الأكبر. فبعد خمسة عشر عاماً من التطبيق، أصبح من المشروع إعادة تقييم الآثار السياسية التي ترتبت على هذا التفسير ومدى انسجامها مع فلسفة النظام الديمقراطي ومبدأ احترام إرادة الناخبين.

ولا يتعلق الأمر بالطعن في سلطة المحكمة أو التشكيك في قراراتها، بل بمراجعة اجتهاد دستوري في ضوء النتائج العملية التي أفرزها خلال سنوات طويلة من التطبيق، وهي ممارسة معروفة في العديد من الأنظمة القضائية والدستورية عندما تثبت التجربة الحاجة إلى تطوير الفهم القانوني للنصوص الدستورية.

إن إعادة ربط حق تشكيل الحكومة بالنتائج التي تفرزها صناديق الاقتراع بصورة أكثر وضوحاً من شأنه أن يعزز ثقة المواطنين بالعملية السياسية، ويحد من حالة الغموض التي ترافق تشكيل الحكومات بعد كل انتخابات.

الخلاصة

إن إصلاح النظام السياسي لا يبدأ بالضرورة من تغيير شكل النظام أو الانتقال إلى نظام رئاسي، بل قد يبدأ بخطوات أكثر واقعية وأقرب إلى التطبيق تعيد الاعتبار لإرادة الناخب وتزيد من وضوح العلاقة بين التصويت والسلطة التي تنتج عنه. فالانتخابات لا تفقد معناها فقط عندما تُزوّر النتائج، بل أيضاً عندما يصبح تأثير الناخب في اختيار الحكومة أقل وضوحاً من تأثير التفاهمات التي تعقب إعلان النتائج.

ومن هنا، فإن إلزام القوى السياسية بالإعلان المسبق عن مرشحيها لرئاسة الوزراء، وإعادة النظر في تفسير مفهوم الكتلة الأكبر، يمثلان خطوتين مهمتين على طريق بناء نظام سياسي أكثر وضوحاً واستقراراً، ويجعلان صوت الناخب أكثر حضوراً في عملية اختيار السلطة التنفيذية التي تحكم باسمه.

 

 كاتب وباحث سياسي مشارك في صياغة الدستور العراقي

 


مشاهدات 57
الكاتب سامي العسكري
أضيف 2026/06/16 - 2:21 PM
آخر تحديث 2026/06/17 - 4:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 225 الشهر 16077 الكلي 15891558
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير