هنيئًا لأسبانيا زيارة بابا الفاتيكان
لويس إقليمس
«تستاهل» إسبانيا المسيحية وتستحقّ بجدارة أن تحظى بزيارة حجّ رسولية متميّزة ومباركة من رئيس الكنيسة الكاثوليكية بشخص بابا الفاتيكان «لاون الرابع عشر». هذا التلهف السامي لتحقيق نصرٍ إيمانيٍ مسيحيٍّ جديدٍ في التعبير عن تفّوقها على «البنت المدلّلة» السابقة للكثلكة، فرنسا، جعلها في صدارة الشعوب الأوربية الثابتة على أمانتها المسيحية ومبادئها السياسية والإنسانية معًا. وبعكسها، فجارتُها الشمالية الشرقية، فرنسا، عندما آثرت أن تلبس ثوب «اللاّدين» و»اللاّأدرية» بإصرارها على علمانتيها المنقوصة وفتح أبوابها ونوافذها مشرعة أمام مدّ دينيّ واجتماعيّ وانتهازيّ غريبٍ ودخيلٍ على مجتمعها المسيحي التقليدي من دون تمحيص ولا حسابٍ قد ساهم كثيرًا بتغيير طبيعة مجتمعها ديمغرافيًا واجتماعيًا ودينيًا. وبالنتيجة فقد حصدت وماتزال تحصد عواقب ونتائج أفعال حكوماتها الهزيلة المتعاقبة المتراجعة في كلّ شيء. لذا أقول، مباركٌ لأسبانبا، مملكةً وحكومةً وشعبًا، حين ظهرت ملامحُ تمسكّها بعقيدتها المسيحية التقليدية المتجذّرة، وقد أبت مغادرة صكَّ الأمانة الذي مازال يطوّقُ أعناق أبنائها الذين تراكظوا وتجمّعوا وصلّوا بإيمانٍ وإرادة وحرارة غير مسبوقة في الشوارع والساحات والكنائس والملاعب في لقاء إنتمائيّ ناضج وإيمانيّ صارخ بوجه أية مساعٍ لتغيير بوصلة التقوى الشعبية التي عرفتها هذه البلاد الغربية بالثبات على إيمانها وتقليدها المسيحي الراسخ رغم بحار التحديات والمصاعب والانتقادات. فما يُؤسف له أن غالبية دول الغرب قد باعت إيمانها واسترخصت عقيدتها المسيحية واستبدلت مرجعيتها الأخلاقية والحياتية معتمدةً على مظاهر العقل الجامد والعلم الصارخ والمفاهيم الإنسانية شأنَ ادّعاء التمسّك بحقوق الإنسان الزائفة في أحيانٍ كثيرة وهي في الباطن تبحث عن مصالح حزبية ومنافع فئوية ضيقة ونفوذ وسلطة ومال وجاه خارجًا عن القواعد التقليدية التي تأسست على مبادئها!
سلوكيات مجتمعية
لستُ ضدّ مفاهيم التطوّر العلمي والفكري والإنساني في دول الغرب الناكرة اليوم في عمومها لتقاليد مجتمعاتها المسيحية في سلوكياتها الإنسانية المعاصرة الظاهرة شريطة ألاّ تتقاطع مع الثوابت الإيمانية التقليدية لدينها وإرثها الكنسي التي طبعت هذه البلدان المتقدمة وتفوّقت على غيرها من الدول والشعوب والأمم التي تختلف في دينها وعقائدها وسلوكياتها المجتمعية. فحيثما تواجدت المسيحية كانت مجتمعات بلدانها وشعوبها متحضرة، ناجحة، متقدمة، منفتحة، منتجة وقابلة للتفاهم والتحاور والتعايش. فالمسالة لم تعد تعاطفًا إنسانيًا أو عقائديًا أو انحيازًا لدين أو عقيدة أو مفهوم بقدر ما تشكلُه وترسمُه من التزام أخلاقيّ تاريخي بجذورٍ راسخة في مفهوم شكل الأخلاق من دون تقاطعها مع تطوّر الشعوب وتنامي الإرادات وارتفاع سقف النوايا على اختلاف أشكالها وثقافاتها على مرّ الأزمان والدهور. فلا النزعة الإنسانية المشوّشة والمشوّهة، ولا الادّعاءات بتفوّق العلوم وحصر تفاعلاتها الميتافيزيقية في الحياة لأجل مصلحة الإنسان والإنسانية دجلاً ونفاقًا، ولا تشكيلات المنظمات والجمعيات وعقد المؤتمرات والاجتماعات متعددة الأغراض والمنافع والنوايا والأهداف كفيلة بصيانة فكر الإنسان الضعيف وتحديد أهدافه في الحياة. وأيّ مجتمع صحيح وناجح لا يمكن أن تكتمل صورتُه إلاّ بنصوص دينية واضحة المعالم والغايات في تطبيق المبادئ واستخدام شموس المحبة واحترام الغير المختلف والإقرار بخياراته وحرياته من دون فرض أدبيات أو أبجديات أو قيمٍ غريبة ودخيلة على حياة الشعوب. فما بُني على أساسٍ نصيّ دينيّ صحيح يبقى متينًا وثابتًا وراسخًا رغم العواصف والظواهر المتقلبة الجائرة والخانقة.
زيارة تاريخية بأهداف عالمية
في هذه الزيارة التاريخية التي استمرّت أسبوعًا كاملاً (6-12 حزيران 2026)، وشملت أربع محطات رئيسية منها العاصمة مدريد وبرشلونة وجزر الكناري وتينيريف، يؤكّد بابا الفاتيكان، أمريكي الجنسية (تولّد شيكاغو 1955) وأوغسطيني الثوب والانتماء وبجذور فرنسية وإيطالية وإسبانية، سعيَه الحثيث لرسم ملامح ومعالم مرحلة جديدة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية تقوم على العدالة الاجتماعية والإصلاح والحوار بين الثقافات وبناء الجسور.
بين الشعوب والأمم. فهو الشخصية الكارزمية الهادئة ولكن الحازمة أيضًا التي تجمع بين الفكر الأكاديمي والخبرة الراعوية والساعي لفتح عهد مرحلة جديدة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية بثقة ووعي وتحسّب وأمانة ليصبح الإيمان لغةً مشتركةً بين الشعوب والأمم كي تبقى الكنيسة ملكًا للجميع.
كما أنها تأتي وسط تكهنات بمواجهة تحديات دولية صارخة رافقت انتقادات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوجهات وخطابات الكرسي الرسولي المناهضة للحروب والمطالبة بالسلام والحوار والتفاهم والعدالة الاجتماعية والتسامح بين الشعوب والدول، وسط ضجيج موازٍ بمناهضة رئيس الوزراء الإسباني لتوجهات الحرب والدعوة إلى السلام في منطقة الشرق الأوسط الساخنة في مواجهة الاستقطاب الدولي وتداعيات الهجرة بكلّ أشكالها الشرعية وغير الشرعية. وهي لا تخلو من رسائل سياسية مباشرة وغير مباشرة. فقد خاطب الحبر الأعظم ساسةَ البلاد والمشرّعين في البرلمان يوم الاثنين 8 حزيران وسط تصفيق حار طال دقائق بتذكيره بجذور إسبانيا المسيحية وتاريخها الثر وإرثها الكاثوليكي الخالص طالبًا دعم الإسرة التي تمثل نواة المجتمع الصالح وإعطاء الحرية للعائلات بتربية أسرها بطريقة صحيحة وعدم فسح المجال للتيارات الفكرية البعيدة عن النهج المسيحي وروحية الكنيسة وتعاليم الإنجيل بمعزل عن القيم المسيحية الحقيقية التي اعتادت الأسرة المسيحية ممارستها في حياتها. وهذا يعني احترام الحياة من البداية إلى النهاية وعدم انتهاج سياسة التهميش في المجتمعات الصالحة مع التأكيد على عدم السماح للذكاء الاصطناعي بإحلاله محل الإنسان ومحلّ المهن بل باستخدامه من أجل كرامة الجنس البشري ومنفعته من خلال التزام اي تطور تكنلوجي بالقيم المسيحية الصريحة التي يدعو إليها الإنجيل وتطالب بها الكنيسة. ولم ينسى موضوع الهجرة الذي يشغل باله بسبب الانتهاكات في معالجته داعيًا ساسة العالم لرفع مستوى الخطاب السياسي ليكون محورُه خدمةَ الإنسان وليس استعباده وقهره وإهانته. وهذه هي السياسة التي يبنبغي أن تتحدث بها الكنيسة وليس التدخل المباشر ومزاولتها في غير محلّها وظروفها.
رسائل روحية واجتماعية
بعد تسجيل آخر زيارة بابوية لحبرٍ سابق لهذا البلد المسيحي الكاثوليكي منذ 15 عامًا، استهلّ بابا الفاتيكان أولى محطاته من العاصمة مدريد حيث كان في استقباله في مطار العاصمة «باراخاس أدولفو سواريز»، ملكُ البلاد فيليب السادس وعقيلتُه الملكة ليتيزيا ورئيس الوزراء بيدرو سانشيز الجدليّ في قراراته وسياسته الدولية. فقد غصّت شوارع العاصمة الإسبانية «مدريد» يوم السبت السادس من حزيران 2026، بحشود عارمة وهي تستقبل بفرحٍ كبيرٍ الحبر الأعظم الذي أبهرها بحركات عفوية فيها الكثير من إشارات التشجيع والسعادة توقًا لرؤيته وهو يجول وسطها بفرحة الأب للقاء أبنائه بعد غياب طويل نسبيًا مع حبرٍ أعظم أسبق. هذه الزيارة أفردت أجندتَها عبر عبق التعاطف والرجاء المرتقب لنتائجها ومفاعيلها المنضوية تحت قيم التضامن والإيمان والتعايش التي من شأنها أن توحد الجميع تحت سقف الإيمان الواحد. وفي المساء كان لقاؤُه الأبوي الروحي مع جموع الشباب في ساحة ليما برسالة صلاة وسط حضور واسع. أعقبه في اليوم التالي الأحد 7 حزيران، مشاركة شعبية واسعة كانت أشبه بطوفان بشريّ مليوني حضرته جموع المصلّين والمؤمنين وبين مسؤول حكوميّ وكنسيّ ودبلوماسيّ ومكرّس ومتفرّج وسائح وفضوليّ ممّن احتشدوا في ساحة «لاس سيبيليس» وسط العاصمة مدريد وانتشروا في الشوراع المحيطة بها. وفي عظته القيّمة وجّه البابا لاون الرابع عشر دعوة مدوّية لتجديد الإيمان الكاثوليكي العصري في هذا البلد الذي حافظ على تقاليده المسيحية الكاثوليكية بكلّ جدارة وإيمان راسخ ووقفَ بوجه العلمنة المشوّشة التي اخترعها الفكر الغربي الزائغ عن دينه ومسيحه وسموّ أخلاقه. ولعلّ أهمّ ما أكّدَ عليه الزائر الكبير «أنه ينبغي عدم النظر إلى الدّين باعتباره متحفًا من الماضي للزيارة، بل مدرسةً إيمانٍ حيّ يُنهلُ منها حتى اليوم»، مشيرًا إلى أنّ «الاحتفال بعيد الجسد المقدس للرب يسوع ليس فلكلورًا بل دعوة إلى التوبة والعطاء وإلى جذور الإيمان وتجديد للمحبة والأمانة للّه». وتلكم رسالة قوية تهدف إلى إعادة الحيوية الروحية وتعميق الجذور الدينية في مواجهة تحيات العصر، كما وصفتها قناة سكاي نيوز العربية. وعقب القداس جالَ قداستُه بين الجموع مرحبًا ومعبّرًا عن سعادة غامرة بمباركة عددٍ من الأطفال والرضّع في مشهدٍ خطف الأنظار.
في حدثٍ استثنائيّ، لم يتقاعس زائر إسبانيا الكبير للقاء أبناء إبرشية العاصمة في ملعب «سانتياغو برنابيو» يوم 8 حزيران، كجزءٍ من زيارته الراعوية والرسمية، حيث احتشد أكثر من ثمانين ألف شخص وسط تصفيق حارّ دام دقائق بلا انقطاع. وفي لفتةٍ حارّة، كانت هذه مناسبة كبيرة لتقلّده قميص نادي ريال مدريد بالرقم 1، من رئيسه وتكريمه بمنحه العضوية الشرفية في نادي ريال مدريد. وما كان من البابا إلاّ أن يمازح الحضور قليلاً بالتفاخر بالقول» البابا مع جميع الفرق، لكنّ بريفوست (شخص البابا الحقيقي) مع ريال مدريد». ومضى في خطابه أنّ «كنيسة مدريد أحرزت اليوم هدفًا مذهلاً سيبقى للأبد» وشدّد على أن «هذه الأمسية هي نشيد إيمانٍ عظيم، ويسعدني أن أوحدَ صوتي مع أصواتكم لتمجيد الله وتعزيز روابط هذه العائلة الجميلة التي تتعلّم فنّ التناغم، أي الوحدة في التنوّع». كما شهد حفلاً موسيقيًا خاصًا لفنانين قدّموا روائع جهودهم ومثابرتهم احتفاءً بزيارته إلى جانب أكبر جوقة كنسية تمّ تشكيلُها خصيصًا لهذه المناسبة وضمّت ألفَ صوتٍ من بينهم 300 طفل.
وفي برشلونة التي ضاقت شوارعُها وساحاتُها وكنائسُها بالحضور ابتداءً من يوم الثلاثاء 9 حزيران، شكر قداستُه المؤمنين المحتشدين على جانبي الطريق على صبرهم وفرحهم والتزامهم بالإيمان المسيحي. فيما أتمّ الاحتفالية التاريخية، يوم الأربعاء 10 حزيران في مشهدٍ تاريخيّ نادر جمع بين الإيمان والفنّ الراقي والهندسة المعمارية بإقامة قدّاس جماهيري حاشد قام خلاله بمباركة آخر برج «يسوع المسيح» الجديد في بازيليك (كنيسة) العائلة المقدسة «سكرادا فاميليا»، وهو الأعلى بين كنائس العالم بارتفاع يصل إلى 572.1م. ولعلَّ ممّا قاله في خطابه المؤثر للحشود الحاضرة «أنتم الحجارة الحيةّ» للكنيسة وأنّ «الحياة المسيحية مشروع يحققُه الله»، داعيًا إلى نبذ الحروب والدفاع عن كرامة الإنسان ومشددًّا على أنّ «الفنّ والجمال يظلاّن من أبرز سبل إعلان الإنجيل وإشاعة الرجاء في العالم»، كما نقله موقع «أبونا». يأتي ذلك لمناسبة الذكرى المئوية لوفاة مهندسها العبقري الكاتالوني «أنتوني غاودي» الذي عُرف بتقواه وتدينه وحصوله على لقب «مهندس الله» مع منحه لقب «المكرَّم» من الفاتيكان قبل سنة في تقدير وإقرارٍ باستحقاقه تلك المنزلة المبجَّلة في الكنيسة الكاثوليكية. وهذه الكنيسة التي استغرق بناؤُها 144عامًا، بدأ تشييدُها عام 1882 بتصميم معقّد ومتقن في كلّ القياسات الهندسية والمعمارية والتشكيلية والجمالية المعقدة. وهي تضمّ 18 برجًا عاليًا يرمز كلّ منها إلى شخصية دينية، وأطولُها يمثل «برج المسيح». وهذا ممّا جعلها واحدة من المعالم السياحية في عموم القارة الأوربية والعالم. ولي الشرف بزيارتها قبل اكتمالها في عام 2017 مع أفرادٍ من العائلة حيث انبهرنا بجمالها ورونق ريازتها وحبكة أعمدتها وإضاءتها وتوزيع أبراجها.
حصّة جزر الكناري (تينيريفي)
كان للمهاجرين غير النظاميين ولهواجسهم وهمومهم قسطٌ إنسانيٌّ من الاهتمام والدعم غير المحدودين في آخر يومين للزيارة البابوية (الخميس 11 والجمعة 12 من حزيران) حيث حلّ ضيفًا على جزيرة الكناري (تينيريفي) ضمن مبادرة إنسانية وأبوية تحمل الكثير من الأمل والرجاء والرمزية لإيجاد حلولٍ لعشرات الآلاف من المهاجرين المخاطرين بحياتهم لعبور مياه المحيط الأطلسي بهدف الوصول إلى ملاذات آمنة بحثًا عن حياة أفضل في عموم أوربا. ودعا البابا خلال لقائه عشرات الآلاف من المهاجرين، المجتمعَ الدولي للتعاون الإنساني والاستجابة الشاملة لأزمة المهاجرين المتصاعدة التي بدأت شدّتُها منذ 2018 وراح ضحيتها الآلاف بسبب المخاطر المحفوفة وعدم توفر دوريات إنقاذ في هذا الطريق. وخلال قدّاس أقامهُ قداستُه الجمعة 12 حزيران في تنيريفي، قال كلمتَه المؤثرة «الكرامة الإنسانية لا تحمل جواز سفر» و»لا ينبغي على المحيط أن يكون مقبرةً بلا شواهد». وفي ختام الزيارة ألقى إكليلاً من الزهور في المياه تكريمًا لأرواح المهاجرين الذين قضوا في رحلات الموت الشاقة. وفي لفتة تذكير بأصول جماعات عديدة استوطنت بلدانًا آمنة، أهدته الجماعة الكاثوليكية المحلية شجرة عائلته متعقّبةً أصول اسلافه والتي استقبلها بترحيبٍ كبير وعفوية. ومنها كان مسك ختام الزيارة التاريخية والعودة إلى حاضرة الفاتيكان في روما.