الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
البيشمركة بين أسطورة التأسيس ورمزية الحاضر

بواسطة azzaman

البيشمركة بين أسطورة التأسيس ورمزية الحاضر

كفاح محمود

 

  في اللغة الكردية، لا تحمل الكلمات أحياناً معانيها فحسب، بل تحمل روح أمة بأكملها، فكلمة «بيشمركة» مركّبة من مقطعين: «بيش» وتعني أمام، و»مركه» وتعني الموت، وهي لا تُترجم إلى مجرد جندي أو مقاتل، بل تعني حرفياً: أولئك الذين يستبقون الموت، الذين يمشون أمامه دون أن يرتجفوا، لا لأنهم لا يعرفون ثمن الحياة، بل لأنهم يعرفون ثمن الوطن، وفي هذا الاسم وحده تكمن فلسفة حركة تحرر استثنائية، امتدت من جبال بارزان في مطلع القرن العشرين، حتى سهول نينوى ومضائق سنجار في مواجهة أشد تنظيمات الإرهاب توحشاً في التاريخ المعاصر، وهنا لا يمكن الحديث عن البيشمركة دون العودة إلى منابت الشجرة الأولى، إلى الشيخ عبدالسلام بارزاني، الذي أشعل في الفترة الممتدة بين عامَي 1907 و1914 أولى شرارات المقاومة الكردية المنظمة في منطقة بارزان، لم يكن تحركه عصياناً قبلياً عابراً كما دأب المؤرخون العثمانيون على تصويره، بل كان وعياً سياسياً مبكراً بحقوق الشعب الكردي في أرضه ولغته وهويته، أسس الشيخ عبدالسلام لمبدأ راسخ سيتوارثه المقاتلون جيلاً بعد جيل: أن السلاح ليس غاية بل وسيلة لنيل الحقوق المشروعة، وحين نُفّذ فيه حكم الإعدام عام 1914 في الموصل، لم يُعدم رجلاً، بل صنع الأتراك منه أيقونة تأسيسية ستتجذر في الذاكرة الكردية كوهج لا ينطفئ.

  في عام 1946، كانت الفرصة التاريخية الأكثر إشراقاً في مسيرة الشعب الكردي نحو الاستقلال، أعلن القاضي محمد في مدينة مهاباد الإيرانية قيام جمهورية كردستان، أولى الجمهوريات الكردية في التاريخ الحديث، ولم تتأخر البيشمركة عن تلبية نداء التاريخ؛ إذ قاد مصطفى البارزاني قواته عبر مسالك جبلية وعرة من كردستان العراق ليصل إلى مهاباد، مانحاً الجمهورية الوليدة دعماً عسكرياً وروحياً لا تُقدَّر قيمته، في تجسيد حيّ لمفهوم الهوية الكردية الجامعة التي تتخطى الحدود التي رسمتها سايكس-بيكو، وحين انهارت الجمهورية تحت وطأة التدخل الإيراني وصمت المجتمع الدولي، آثر البارزاني الانسحاب نحو الاتحاد السوفيتي على الاستسلام، في ملحمة عسكرية حُفرت في الوجدان الكردي كرمز للعزة والإباء.

ثورة ايلول

  في عام 1961، أطلق مصطفى البارزاني ثورة أيلول الكبرى من جبال كردستان العراق، فكانت البيشمركة قوتها الضاربة التي أربكت الجيش العراقي لأكثر من عقد، ما ميّز تلك المرحلة وسائر مراحل الكفاح الكردي ليس الانتصارات الميدانية وحدها، بل النمط الأخلاقي الصارم الذي التزمت به تلك القوات على امتداد تاريخها كله، فلم تُسجَّل بحقها جرائم حرب ممنهجة، ولم يُوثَّق في حقها انتهاك منظّم لحقوق الأسرى أو التمثيل بجثث الخصوم، التزم مقاتلوها بأخلاقيات الحرب النبيلة: يعتنون بالجرحى، ويحترمون الأسرى، ويميّزون بين المقاتل والمدني. وهذا الانضباط لم يكن مصادفة، بل كان سمة مؤسِّسة نابعة من وعي عميق بأن شعباً يطلب الحرية لا يمكنه أن يُنتج ظلماً دون أن يُدين نفسه قبل أعدائه.

  حين انتفض الشعب الكردي في مارس 1991 إثر هزيمة صدام في حرب الخليج الثانية، اندفعت البيشمركة كالسيل المتحرر من قيود سنين طوال، في غضون أيام، تحرّرت أربيل والسليمانية ودهوك وعشرات المدن والقصبات من قبضة البعث، ومن رحم تلك الانتفاضة الكبرى وُلد إقليم كردستان الذي تحوّل إلى كيان شبه مستقل معترف به دولياً، ومع ذلك الاستحقاق الوجودي الجديد، تحوّلت البيشمركة من قوات ثورية تعمل في الجبال إلى مؤسسة عسكرية نظامية تضمّها وزارة مخصصة تحمل اسمها: وزارة البيشمركة، في سابقة لا نظير لها في العالم، إذ لا تُسمَّى وزارة الدفاع في أي كيان سياسي آخر باسم مقاتليها.  في صيف 2014، هبّ تنظيم “داعش” كعاصفة من الرعب المصنوع، محكماً قبضته على مساحات شاسعة من العراق وسوريا، وانهار أمامه الجيش العراقي النظامي في أيام، لكنه وجد في البيشمركة صخرة صماء لم تتزحزح، في ميادين سنجار وزمار والموصل، أثبت المقاتلون أنهم ليسوا مجرد قوة عسكرية، بل حامة وعي أخلاقي راسخ، وما استوقف العالم لم يكن شجاعتهم في المعارك فحسب، بل طريقة تعاملهم مع أسرى التنظيم وجرحاهم، حيث رصدت تقارير دولية موسّعة ذلك المستوى الإنساني الذي أبدوه في أوج المعارك الأكثر ضراوة، وكان من أبرز التجليات الرمزية لتلك المكانة المكتسبة أن مدينة باريس أطلقت اسم البيشمركة على أحد شوارعها، تكريماً لدورها في مكافحة الإرهاب العالمي وتحطيم أسطورة الخوف التي صنعها «داعش»، فأصبحت بذلك قوة عسكرية من الشرق الأوسط تحفر اسمها في خارطة عاصمة النور.

مكانة تاريخية

  غير أن هذه المكانة التاريخية والقانونية لا تُعفيها اليوم من مواجهة محاولات التشكيك المُبيَّتة، فثمة أصوات تنطلق من بعض الفصائل المسلحة، تلك التي تجد مرجعيتها خارج الحدود، تسعى إلى وضع البيشمركة في خانة «الميليشيات» ودعوتها إلى تسليم أسلحتها وحلّ هياكلها، وهذا الطرح لا يعكس جهلاً بالوقائع فحسب، بل يكشف عن مشروع سياسي يريد تفكيك المؤسسات الشرعية لحساب قوى لا تعترف بالدولة إلا حين تخدم أجنداتها، فالبيشمركة ليست ميليشيا بأي تعريف قانوني أو سياسي؛ إذ كفل الدستور العراقي وجودها وشرعيتها صراحةً، ولا سيما في الفقرة الخامسة من المادة 121 التي تمنح إقليم كردستان صلاحية تأسيس قوات أمنية داخلية، فضلاً عن المادة 117 التي تُقرّ بالوضع الإداري والسياسي القائم للإقليم وتُلزم بضمان حقوقه وصلاحياته، وهو ما يُرسّخ قانونياً أن البيشمركة جزء من المنظومة الدستورية للدولة العراقية، لا تشكيل مسلح خارج القانون، وقد أجاب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني على هذه المتداولات بوضوح لا يقبل التأويل، حين أكد أن البيشمركة قوات دستورية شرعية نص عليها الدستور العراقي صراحةً، وأن المطالبة بحلّها أو تسليم أسلحتها ليست دعوة إلى الوحدة الوطنية، بل هي مساس بالمكتسبات الدستورية للشعب الكردي وتهديد لأمن الإقليم واستقراره.  في عالم تتزاحم فيه جيوش تبحث عن شرعية وميليشيات تلبس أثواب الوطنية، تقف البيشمركة حالة استثنائية، ليس لأنها معصومة من النقد، ولا لأن مسيرتها خلت من التعقيدات السياسية، بل لأن سجلها الأخلاقي على امتداد أكثر من قرن يشهد على مقاتل عرّف نفسه بعلاقته مع الموت لا بعلاقته مع السلطة أو الغنيمة، منذ الشيخ عبدالسلام في بارزان، مروراً بمهاباد وثورة أيلول وانتفاضة 1991 وملاحم الكسر الأولى لـ»داعش»، ظلّت البيشمركة تحمل اسمها بأمانة نادرة: أولئك الذين يستبقون الموت، وحين تُطلق باريس اسمها على شارع في قلبها النابض، فإنها لا تُكرّم جيشاً فحسب، بل تُكرّم فكرة إنسانية عابرة للحدود: أن الشجاعة الحقيقية لا تتناقض مع الرحمة، وأن أنبل الحروب هي تلك التي تنتهي بكرامة الجميع.

 

 


مشاهدات 67
الكاتب كفاح محمود
أضيف 2026/06/07 - 3:42 PM
آخر تحديث 2026/06/08 - 2:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 142 الشهر 6876 الكلي 15882357
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير