الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإمام علي بن أبي طالب.. آخر القامات التي جعلت من السلطة أمانة لا غنيمة

بواسطة azzaman

الإمام علي بن أبي طالب.. آخر القامات التي جعلت من السلطة أمانة لا غنيمة

عصام البرّام

 

يُعدّ الإمام علي بن أبي طالب من أعظم الشخصيات الإنسانية التي جمعت بين الحكمة والسلطة، وبين الروحانية وإدارة الدولة، وبين الشجاعة العسكرية والعدالة الاجتماعية. ولم يكن علي بن أبي طالب مجرد حاكم في مرحلة تاريخية من تاريخ الإسلام، بل كان مشروعاً فكرياً وأخلاقياً متكاملاً ما زال يلهم الأحرار والمفكرين والباحثين عن العدالة في مختلف أنحاء العالم.

لقد قدّم الإمام علي نموذجاً فريداً للحاكم الذي يرى السلطة مسؤولية لا امتيازاً، ويرى الدولة أداة لخدمة الناس لا وسيلة للهيمنة عليهم. ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى فكره في زمن تتسع فيه الفجوة بين الشعوب وحكّامها، ويزداد فيه الفساد المالي والسياسي والاجتماعي على مستوى العالم.

علي بن أبي طالب ورؤية العدالة

كانت العدالة عند الإمام علي أساس الحكم وغاية الدولة. لم يكن يميز بين غني وفقير، أو قريب وبعيد، أو مؤيد ومعارض. فقد آمن بأن قيمة الدولة تقاس بقدرتها على حماية حقوق الضعفاء قبل الأقوياء.

في رسائله وخطبه، شدد على أن الظلم هو بداية سقوط الأمم، وأن الحاكم الذي يظلم شعبه إنما يهدم أركان دولته بنفسه. لذلك رفض المحاباة والتمييز، وواجه الفساد مهما كان مصدره، حتى لو صدر من أقرب الناس إليه.

إن العالم المعاصر يعاني اليوم من أزمة عدالة حقيقية. فبينما تتراكم الثروات في أيدي قلة قليلة، يعيش ملايين البشر تحت خط الفقر. وبينما تُرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لا تزال الحروب والاستغلال والتمييز والعقوبات الجماعية تحصد أرواح الأبرياء في كثير من مناطق العالم. ولو قورنت هذه الصورة برؤية الإمام علي للعدالة، لوجدنا فجوة أخلاقية هائلة بين المبادئ التي نادى بها وبين واقع السياسة الحديثة.

الحرية في فكر الإمام علي

لم يكن الإمام علي ينظر إلى الإنسان باعتباره تابعاً للحاكم، بل كائناً حراً يمتلك الكرامة والحق في التفكير والتعبير. وقد دعا إلى احترام العقل والحوار، ورفض تحويل السلطة إلى أداة لإخضاع الناس أو مصادرة إرادتهم.

لقد أدرك أن المجتمعات لا تتقدم بالقوة وحدها، بل بالوعي والحرية والمسؤولية. ولذلك بقي فكره قريباً من تطلعات الشعوب التي تبحث عن الكرامة والحقوق السياسية والاجتماعية.

وفي عصرنا الحالي، ورغم التقدم التكنولوجي الهائل، ما زالت الحرية تواجه تحديات كبيرة. فهناك رقابة سياسية وإعلامية في أماكن عديدة، وهناك مصالح اقتصادية ضخمة تتحكم أحياناً في صناعة الرأي العام وتوجيه المجتمعات. وبين هذا وذاك، يشعر الإنسان المعاصر بأن حريته مهددة بأشكال جديدة أكثر تعقيداً من الماضي.

السياسة وإدارة الدولة

قدّم الإمام علي نموذجاً متقدماً في إدارة الدولة يقوم على الكفاءة والنزاهة والمحاسبة. وكان يرى أن المسؤولية العامة أمانة أخلاقية قبل أن تكون منصباً سياسياً. في عهده لمالك الأشتر، وضع مبادئ يمكن اعتبارها من أهم النصوص السياسية والإدارية في التاريخ، حيث تحدث عن حقوق المواطنين، وواجبات الحاكم، ومكافحة الفساد، وحماية الفقراء، وإقامة العدل بين الناس. أما في كثير من دول العالم اليوم، فقد تحولت السياسة في بعض الأحيان إلى صراع على النفوذ والثروة، وأصبحت المناصب وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية والحزبية بدلاً من خدمة المجتمع. ونتيجة لذلك انتشرت شبكات الفساد، وتراجعت الثقة بين الشعوب ومؤسسات الدولة.

إن الأزمة الكبرى التي تعيشها المجتمعات الحديثة ليست نقص الموارد، بل سوء إدارتها وغياب الرقابة والشفافية. وهي مشكلات كان الإمام علي يحذر منها قبل قرون طويلة.

الزهد والأخلاق في مواجهة ثقافة الاستحواذ من أبرز ما يميز شخصية الإمام علي زهده العميق رغم امتلاكه السلطة. فلم يجعل الحكم طريقاً للثراء، ولم يحوّل المال العام إلى ملكية خاصة. بل عاش حياة بسيطة تعكس إيمانه بأن قيمة الإنسان بما يقدمه للناس لا بما يملكه من ثروة. في المقابل، يشهد العالم اليوم تصاعداً لثقافة الاستهلاك والجشع الاقتصادي، حيث أصبحت الثروة في كثير من الأحيان معياراً للمكانة الاجتماعية، حتى لو جاءت على حساب العدالة أو الأخلاق أو المصلحة العامة. وقد أدى هذا الواقع إلى اتساع الفوارق الطبقية، وانتشار الفساد المالي، وتحول المال إلى قوة قادرة على التأثير في السياسة والإعلام والاقتصاد معاً.

الإمام علي والعصر الحديث

لا تكمن أهمية الإمام علي في كونه شخصية تاريخية فحسب، بل في أن أفكاره ما زالت قادرة على تقديم حلول أخلاقية وفكرية لأزمات الحاضر. فالعالم اليوم بحاجة إلى العدالة التي دافع عنها، وإلى النزاهة التي جسدها، وإلى الحرية التي آمن بها، وإلى الإدارة الرشيدة التي مارسها، وإلى الزهد الذي حرره من إغراءات السلطة.

إن الأزمة المعاصرة ليست أزمة قوانين فقط، بل أزمة قيم. فحين يغيب الضمير عن السياسة، وتُختزل الدولة في مصالح النخب، ويتحول المال إلى معيار للنفوذ، يصبح الظلم ظاهرة عامة لا استثناءً عابراً. ومن هنا فإن استحضار تجربة الإمام علي لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاء بالماضي، بل دعوة لإعادة بناء العلاقة بين السلطة والأخلاق، وبين الحكم والعدالة، وبين الدولة والإنسان.

بين دولة القيم ودولة المصالح

إن المتأمل في واقع العالم المعاصر يلاحظ أن كثيراً من الأزمات السياسية والاقتصادية ليست ناتجة عن نقص في الإمكانات أو الموارد، بل عن غياب المنظومة الأخلاقية التي تضبط ممارسة السلطة. فالدول اليوم تمتلك تقنيات متطورة ومؤسسات ضخمة وموارد هائلة، ومع ذلك ما زالت تعاني من الفساد الإداري والمالي، ومن اتساع الفجوة بين الحاكم والمحكوم، ومن شعور قطاعات واسعة من الشعوب بالتهميش وفقدان العدالة الاجتماعية.

وفي هذا السياق تبرز تجربة الإمام علي بن أبي طالب بوصفها نموذجاً مضاداً لثقافة الاستحواذ السياسي والاقتصادي. فقد كان يؤمن بأن الدولة لا تكتسب شرعيتها من القوة وحدها، بل من قدرتها على تحقيق العدالة وصيانة كرامة الإنسان. وكان يعتبر المال العام حقاً مشتركاً للأمة لا يجوز التصرف فيه وفق الأهواء والمصالح الشخصية.

لذلك وقف بحزم ضد الفساد والمحسوبية، وأرسى مبدأ المساواة أمام القانون مهما كانت مكانة الفرد أو نفوذه.

إن المقارنة بين هذا النموذج الأخلاقي وبين كثير من الممارسات السياسية الراهنة تكشف حجم التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة. فحين تتحول السلطة إلى وسيلة للثراء، وتُستغل المؤسسات العامة لخدمة المصالح الخاصة، يضعف الانتماء الوطني وتتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى استلهام القيم التي جسدها الإمام علي، ليس باعتبارها تراثاً دينياً فحسب، بل باعتبارها مشروعاً إنسانياً قادراً على إحياء مفاهيم النزاهة والعدالة والمسؤولية في عالم يزداد اضطراباً وتعقيداً يوماً بعد يوم.

يبقى الإمام علي بن أبي طالب رمزاً عالمياً للعدالة والحكمة والإنسانية. وفي زمن تتزايد فيه مظاهر الفساد والاستبداد واللامساواة، تبدو سيرته وفكره أكثر حضوراً من أي وقت مضى. لقد أثبت أن قوة الدولة لا تُقاس بما تملك من جيوش أو ثروات، بل بما تحققه من عدالة بين أبنائها.

وإذا كان العالم الحديث يبحث عن نموذج أخلاقي يعيد التوازن إلى الحياة السياسية والاجتماعية، فإن تجربة الإمام علي تقدم درساً خالداً مفاده أن الحكم العادل ليس حلماً مستحيلاً، بل مشروعاً إنسانياً يبدأ عندما تكون كرامة الإنسان فوق المصالح، والحق فوق القوة، والعدالة فوق كل اعتبار.


مشاهدات 38
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/06/03 - 3:46 PM
آخر تحديث 2026/06/04 - 1:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 84 الشهر 3017 الكلي 15878498
الوقت الآن
الخميس 2026/6/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير