جذور النهضة
محمد زكي ابراهيم
تحظى الحوادث الكبرى، وحروب التحرير، والنزاعات الدولية والمحلية، باهتمام المؤرخين، لما تتركه من آثار لا تمحى، وندوب لا تزول.
ولا تملك العلاقات اليومية، والسلوك الاجتماعي، والتبادل المعرفي، مثل هذه الميزة، مع أنها تقف وراء الكثير من التحولات السياسية والثقافية، وتتحكم بمستقبل الشعوب، وتقود مسيرتها نحو التقدم.
إن حملة نابليون على مصر لم تكن بهذا القدر من الأهمية بسبب ما دار فيها من معارك، بل بما جرى فيها من احتكاك بين رجال الحملة والمواطنين المصريين الذين كانوا لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.
وكانت مقدراتهم في تلك الحقبة بيد بقايا المماليك، الذين تعاملوا معهم بفظاظة واستعلاء.
وقد حدث الشيء ذاته في العراق، بعد حملة (ديلامين) وهو القائد العسكري البريطاني الذي أنزل جنوده لأول مرة في الفاو في تشرين الثاني 1914.
ثم استمر الزحف باتجاه بغداد والمدن الأخرى، قبل أن تضع الحرب الكونية الأولى أوزارها عام 1918. وخلال هذه المدة حاول القادة العسكريون، والمستشارون المدنيون مد الجسور إلى الفلاحين ورجال العشائر في الجنوب خصوصاً.
من أطرف ما قرأت أن الحاكم السياسي البريطاني في سوق الشيوخ هارولد ديكسون بنى له عام 1915 مضيفاً من القصب على طريقة أهل الأهوار، وأخذ يعقد فيه مجلسه الأسبوعي.
وقد حرص الوجهاء والشيوخ وأبناء العشائر في ذلك الوقت على حضوره، وكانت تدار فيه القهوة على الطريقة العربية، ويتناول الناس فيه الطعام على الأرض، ثم يفترقون كل إلى القرية التي جاء منها.
ولم يكن مثل هذا السلوك من جانب رجال الدولة شائعاً، فلم يمل الأتراك إلى الاندماج مع الفلاحين، أو التقرب إليهم، وقد ساعد ديكسون في ذلك إتقانه للعربية، ومن الطبيعي أن تكون لمثل هذا الاحتكاك مردودات إيجابية، تحدث هو عنها بتفصيل شديد ومثير في آن واحد.
وقد لقي عرب جنوب العراق، الأمرين من التسلط العثماني، فحاول الحاكم السياسي البريطاني هذا، أن يخفف من معاناة العشائر القاطنة هناك فألغى جميع الضرائب المفروضة على زراعة القمح والشعير والرز، وضريبة الماشية (الكودة) وأبقى على ضريبة النخيل بواقع (روبية هندية) واحدة لكل شجرة مثمرة.
وكانت العادة أن يجري تخمين عدد هذه الأشجار، واحتساب الضريبة بموجبه، فاحتج أحد ملاكي الأراضي على العدد الذي ارتأت لجنة التخمين أنه يملكه، وهو (16) ألف نخلة، فجرى حذف ألف نخلة منها.
لكن تبين في ما بعد، حينما جرى العد الميداني أن مجموع نخيله يبلغ (247) ألف نخلة! وقد تغاضى الحاكم عن هذا السلوك، رغبة منه في بناء علاقات اجتماعية بين حكومته ورجال العشائر.
وهكذا اتسمت الصلة بين الرؤساء المحليين والإدارة البريطانية، قبل اندلاع ثورة 1920 بالمودة، وكان هناك عدد قليل من الجنود البريطانيين في كل وحدة إدارية، مع عدد أكبر من (الشبانة) المجندين من أبناء العشائر. ولم تسجل إلا حوادث طفيفة لم تصل إلى مرتبة القطيعة، وكان السلوك البريطاني هذا يثير الإعجاب، بالمقارنة مع ما كان يلقاه الناس من عسف وظلم السلطات التركية.
إن الفرنسيين الذين نزلوا على بر مصر عام 1798 لم يكونوا يهدفون إلى نشر المدنية في مصر، ولا إنقاذ المصريين من ظلم المماليك، ولم يقصد البريطانيون ذلك أيضاً حينما احتلوا العراق، لكن وجود الكثير من القادة الذين تمتعوا بحس اجتماعي وثقافي عال، أعطى لمرورهم في هذه الديار مردودات حضارية قيمة.
وقد اتضح أثرها بعد سنوات قليلة، وأصبحت منطلقاً لتحولات اجتماعية كبرى، لم تكن لتقع دون هذه اللحظة التاريخية، التي أمدت المنطقة بالكثير من القوة والعزيمة والرغبة في حياة أفضل.