الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من الثقة إلى الإمتحان.. الزيدي بين نصف الحكومة وممر العالم الضيّق

بواسطة azzaman

من الثقة إلى الإمتحان.. الزيدي بين نصف الحكومة وممر العالم الضيّق

كاظم نزار الركابي

 

في مساء الخميس الرابع عشر من أيار، منح البرلمان العراقي علي فالح الزيدي ثقته. وفي صبيحة السبت السادس عشر منه، تسلّم الزيدي رسميًا مهامه رئيسًا لمجلس الوزراء وقائدًا عامًا للقوات المسلحة، ثم وجّه خطابه الأول إلى العراقيين. بين اللحظتين خرجت الحكومة من قاعة التصويت إلى ميدان المسؤولية، وانتقل الزيدي من شرعية التكليف إلى امتحان الموقع، ومن لغة البرنامج إلى سؤال التنفيذ.

لم تكن الثقة نهاية الأزمة. كانت فتحًا لملف أعقد: كيف تتحول الثقة البرلمانية إلى ثقة شعبية؟ وكيف يتحول الخطاب إلى هندسة حكم؟ في خطابه الأول رسم الزيدي ملامح ثلاثة مسارات كبرى: إصلاح اقتصادي يحرر الدولة من كسل الريع، وبناء اجتماعي يعيد الاعتبار للعدالة والخدمة، وإصلاح أمني يضع حصر السلاح بيد الدولة في قلب المعادلة. هذه المسارات تصنع عنوان المرحلة إذا دخلت غرفة القياس اليومي، وتبقى وعودًا إذا ظلت أسيرة البلاغة السياسية.

أربعة عشر وزيرًا نالوا الثقة من أصل ثلاثة وعشرين، وبقيت حقائب مؤجلة إلى ما بعد عطلة عيد الأضحى. هذا النقص لا يختصر الحكومة في رقم. إنه علامة سياسية على بلد ما زال يفاوض نفسه قبل أن يفاوض العالم. المنهاج الوزاري رفع عنوانًا دقيقًا: دولة مستقرة، اقتصاد منتج، شراكات متوازنة. العنوان يضع الاتجاه الصحيح، والفجوة بين العنوان وآلية التنفيذ ستبقى المقياس الحقيقي لكل حكومة عراقية.

حصر السلاح

اختار الزيدي أن يضع حصر السلاح بيد الدولة في قلب خطابه الأول. هذا الاختيار يضعه مباشرة أمام أخطر امتحان في تاريخ الدولة العراقية بعد 2003. فالدولة التي لا تحتكر قرار القوة تعيش بسيادة منقوصة، والسلطة التي تتقاسم الأمن مع قوى متعددة القرار تفقد قدرتها على الحكم قبل أن تفقد هيبتها في الشارع.

تقاطعت حول هذا الملف رسائل إقليمية ودولية لا تخفى على أحد. واشنطن تنظر إلى ضبط الفصائل بوصفه شرطًا لاستقرار الحكومة والتعامل معها، وطهران ترى في شبكة حلفائها جزءًا من معادلة النفوذ والردع. وبين هاتين القراءتين يقف العراق مطالبًا باستعادة قراره من دون أن يدفع ثمن انقسام داخلي جديد.

نيكولو مكيافيلي كتب في الأمير أن القائد الجديد يواجه خصمين في لحظة واحدة: المنتفعين من النظام القديم، والمترددين في النظام الجديد الذين ينتظرون دليلًا على رسوخه. الزيدي يقف في هذه المسافة الخطرة. فالقوى المسلحة التي ابتعدت عن الحقائب الوزارية لم تخرج من المعادلة. إنها تراقب وتضغط وتفاوض. وحصر السلاح لا يعني نزع السلاح في لحظة صدامية، إنما بناء دولة تجعل الانتماء إلى المؤسسة الرسمية أجدى من الولاء للفصيل.

الإنجاز الحقيقي في هذا الملف لا تقيسه الخطب. تقيسه قرارات متدرجة تعيد للمؤسسة الأمنية الرسمية هيبتها، وتجعل القانون أكثر حضورًا من السلاح، والدولة أكثر جاذبية من شبكات النفوذ. هذا هو الطريق البطيء الذي سلكته الدول التي تجاوزت أزمة السلاح المتعدد. ولا اختصار في طريق بناء الدولة.

مؤشر بكين

في الأيام التي سبقت تسلّم الزيدي، ختم ترامب زيارته إلى بكين، وتحدث عن مضيق هرمز وإيران والطاقة. وقال إن الرئيس الصيني شي جين بينغ وافق على ضرورة إعادة فتح المضيق، بينما اكتفت بكين بلغة أكثر حذرًا عن ضرورة إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار. هذه المسافة بين التصريح الأمريكي والتحفظ الصيني تكشف جوهر المرحلة: العالم لا ينتظر بغداد كي يرتب خرائط الطاقة، لكنه يرسم حولها خطوطًا تمس خزينتها ونفطها وقدرتها على تنفيذ برنامجها.

ما أسميه مؤشر بكين ليس مصطلحًا اقتصاديًا ضيقًا. إنه مقياس لموقع العراق داخل معادلة القطبين: الصين، بوصفها قوة الطلب والتصنيع وسلاسل الإمداد وأحد أهم أسواق النفط العراقي؛ والولايات المتحدة، بوصفها قوة الدولار والنظام المالي والأمن الإقليمي. العراق يبيع نفطه لمصانع الشرق ويدير أمواله داخل نظام الغرب. هذه هي صيغة الانكشاف الجيوسياسي المزدوج التي تفرض على حكومة الزيدي عقلًا ستراتيجيًا نادرًا.

هنري كيسنجر أدرك أن القوة الأصغر تستطيع تحويل موقعها من ضعف إلى رصيد حين تفهم تناقضات الكبار وتستثمرها. المنهاج الوزاري تحدث عن شراكات متوازنة، وهذا العنوان هو الأكثر تطلبًا بين عناوين المرحلة. فالشراكة المتوازنة بين واشنطن وبكين وطهران لا تُبنى بالخطاب الدبلوماسي وحده، إنما بامتلاك ورقة حقيقية: أن يكون العراق، بنفطه وموقعه وطريق تنميته، ضرورةً يحتاجها الجميع.

مقصلة هرمز .. حين تصبح الجغرافيا سلاحًا ضد أصحابها

يبدأ الزيدي ولايته ومضيق هرمز يضغط على الاقتصاد العراقي كما تضغط المقصلة على الرقبة. لم يعد المضيق ممرًا بحريًا بعيدًا في خرائط الجغرافيا. صار جزءًا من دفتر الرواتب، وجدول الموازنة، وأسعار السوق، ومصير مشاريع الإعمار. كل توتر عند هرمز يدخل إلى بيت العراقي بطريقة من الطرق: سعرًا، قلقًا، تأجيلًا، أو عجزًا في الخزينة.

مقصلة هرمز هي الاسم الذي ينبغي أن يحمله هذا الخطر: لحظة انكشاف الاقتصاد أمام الجغرافيا المسلحة. الاقتصاد الذي يتنفس برئة نفطية واحدة يبقى محكومًا بخناجر المضائق. والدولة التي تترك مواردها معلقة بمزاج الممرات البحرية تمنح الجغرافيا حق ابتزازها.

المنهاج الوزاري تضمن فقرات عن تنويع الاقتصاد وإصلاح ملف الطاقة وتنويع مصادر الإمداد. هذه الفقرات لن تصنع فرقًا ما لم تتحول إلى مشاريع بجداول زمنية ومخصصات مالية ومؤشرات إنجاز. الفاو كرئة جيوسياسية، والربط السككي والبري مع تركيا والأردن كأوردة جديدة، وطريق التنمية كممر ستراتيجي؛ هذه ليست ترفًا تنمويًا. إنها ضرورة وجودية في زمن تُغلق فيه المضائق وتُرسم فيه الخرائط من جديد.

قسوة هرمز تمنح العراق فرصة تاريخية لإعادة صياغة خارطته اللوجستية. الصراع الإقليمي يدفع الجميع إلى البحث عن ممرات بديلة، والعراق يملك جغرافية تؤهله ليكون الممر لا المحاصَر. الزيدي يملك الآن البيانات الاقتصادية التي تثبت الضرورة، والمطلوب إرادة سياسية تحول الضرورة إلى مشروع دولة.

السيادة الوظيفية

أعلن الزيدي في خطابه أن طريق الإصلاح يبدأ من الداخل في مواجهة الفساد والترهل الإداري. الجملة صحيحة في معناها، وقاسية في استحقاقاتها. الإصلاح الداخلي لا يبدأ بخطب عامة. يبدأ بقرارات محددة تمس مصالح محددة وتواجه مقاومة محددة.ماكس فيبر صاغ أحد أدق تعريفات الدولة الحديثة حين رأى فيها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل حدوده. زمننا يضيف شرطًا ثانيًا لا يقل أهمية: الدولة القادرة تحتكر أيضًا قرارها المالي والنفطي والدبلوماسي داخل حدودها.

 حين تُدار العائدات من خارج الإرادة الوطنية، وحين تُرسم السياسات في عواصم أخرى، تفقد الدولة هذا الاحتكار بصمت. هنا يتجسد جوهر ما حذرنا منه في مفهوم فيتو الخزينة.

السيادة الوظيفية هي المفهوم العملي الذي يحتاجه العراق الآن: قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية بكفاءة في الظروف الاعتيادية والاستثنائية. ضبط الأمن. إدارة الخزينة. حماية العملة. رقمنة البيانات. منع تسرب المال العام. تحفيز الاستثمار الحقيقي. بناء اقتصاد يقف على الإنتاج لا على الانتظار. هذه الوظائف تبدأ من الموازنة والمصرف والمنفذ الحدودي وعقد الكهرباء والمدرسة. إنها ممارسة يومية لا شعار احتفالي.

العراق لا يعاني نقصًا في الرؤى. يعاني من سيولة التنفيذ. والتنفيذ يبدأ من خمسة أسئلة قاسية: من يفعل ماذا؟ ومتى؟ وبأي مورد؟ وبأي مؤشر قياس؟ وتحت أية مساءلة؟ المنهاج الوزاري أجاب عن ماذا. المطلوب الآن أن تجيب الحكومة عن كيف.

لحظة الزيدي .. من خطاب التسلم إلى دولة الإنجاز

تسلّم الزيدي مكتب رئيس الوزراء يوم السبت السادس عشر من أيار. وراءه خطاب وضع الاتجاه، وأمامه سؤال لا يجيب عنه أي خطاب: هل تستطيع هذه الحكومة أن تفعل ما قالته؟

ثلاثة ملفات ستحدد وجه السنة الأولى: حصر السلاح الذي يتحدى توازنات إقليمية ومحلية راسخة، والتنويع الاقتصادي الذي يواجه إدمانًا على النفط امتد لعقود، والتموضع الستراتيجي بين واشنطن وبكين وطهران في محيط لا يرحم التردد. هذه الملفات الثلاثة مترابطة. النجاح في أحدها يعزز الآخرين، والإخفاق في أحدها يضعف الجميع.

الدولة التي تختار نفسها تصنع تاريخًا. والدولة التي تنتظر أن يصنعها الآخرون تُصنع على مقاساتهم لا مقاساتها. العراق اليوم أمام هذا الاختيار بالضبط. والزيدي يملك ما لم تملكه كثير من الحكومات: ورقة بيضاء لم تُكتب بعد. السؤال هو من سيكتبها: الإرادة الوطنية أم إملاءات الخارج؟

هذه هي لحظة الزيدي: أن يثبت أن العراق، وهو يسير بين نصف الحكومة وممرّ العالم الضيّق، يملك القدرة على استعادة المعنى، وبناء الدولة، وصناعة موقع جديد يليق بتاريخه وجغرافيته ومستقبله.


مشاهدات 29
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/05/18 - 2:53 PM
آخر تحديث 2026/05/19 - 1:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 86 الشهر 17536 الكلي 15862730
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير