هل نحن أمام تشكيل نظام عالمي جديد ؟
قراءة قانونية في واقع كتابة الشرعية تحت ازيز الرصاص
موفق البياتي
لم يعد العالم كما كان قبل سنوات قليلة ، فالمشهد الدولي الراهن لم يعد مجرد توتر عابر بين قوى عظمى او صراع نفوذ تقليدي ، بل نحن نعيش اليوم لحظة تاريخية فارقة ، لحظة لا يعاد فيها اعادة رسم موازين القوى فحسب ، بل يعاد فيها تشكيل « القانون الدولي» نفسه وتحويل الاستثناءات الى قواعد والمبادئ الثابتة الى وجهات نظر خاضعة لموازين القوى العسكرية .
لقد تأسس النظام الدولي الحديث بعد الحرب العالمية الثانية على قاعدة قانونية صارمة بدت في وقتها صلبة وغير قابلة للمساس : حظر استخدام القوة ، هذا المبدأ الذي كرسته الفقرة ( 4 ) من المادة ( 2 ) من ميثاق الامم المتحدة الصادر في 26 / حزيران / 1945 والتي قضت بحظر استخدام القوة او التهديد بأستعمالها في العلاقات الدولية ، لكن ما نراه اليوم ليس مجرد خرق عابر لهذا المبدأ بل هو اعادة تفسير ممنهجة له ، فلقد شرعت القوى الدولية في تجاوز هذا المبدأ عبر خلق مفاهيم تبدو في ظاهرها مرنة ، لكنها في الواقع خطيرة ، مثل مفهوم « الدفاع الوقائي « « والضربات الاستباقية « وذلك على الرغم من ان المادة ( 51 ) من الميثاق كانت قد حصرت حق الدفاع عن النفس بشرط «وقوع هجوم مسلح فعلي « ، الا ان الممارسة الحالية جعلت من هذا الاستثناء اصلاً ، ومن التوسع فيه ممارسة مستقرة مما يعني عملياً تحول القانون من ضابط سلوك الى مبرر للفعل بعد وقوعه ، وهنا يكمن التحول الخطير .
حين يتوارى القانون خلف الجغرافية السياسية
ان خطورة هذا التحول تتجلى وبكل وضوح في انتقال « سلطة تفسير القانون « من المؤسسات الدولية ممثلة بمحكمة العدل الدولية الى « منطق القوة « وهذا خلاف ما اكده القضاء الدولي الذي حاول من خلال ما قضت به محكمة العدل الدولية في قضية « نيكاراغوا» في حزيران عام 1986 حيث حكمت هذه المحكمة بأن الولايات المتحدة الامريكية قد انتهكت القانون الدولي من خلال دعمها « للكونترا « في تمردهم ضد « الساندنيستا» معللة حكمها هذا على ان الدفاع عن النفس لا يقبل الا بشروط صارمة من الضرورة والتناسب ، وهو لا يقبل الا عند وقوع هجوم مسلح.
تجاوز الضوابط
ولكن في عالم اليوم اصبحت هذه الضوابط قابلة للتجاوز فور اصطدامها بالمصالح الامنية للدول الكبرى .
او تعارضها مع منطق القوة ، ومثل هذا التآكل القانوني لم يتوقف عند حدود الدول البرية ، بل انه امتد الى اعالي البحار ، قمع تصاعد التوتر في مضيق هرمز « تبرز اشكالية قانونية تتعلق بحرية الملاحة تضع العالم كله امام معادلة صفرية : هل تسود القاعدة القانونية الدولية التي نظمتها « اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار « والتي اقرت حق المرور العابر في المضائق الدولية . ام تفرض الجغرافيا السياسية منطقها عبر التهديد بأغلاق المضائق او فرض الحصار عليها ؟ ان الواقع الميداني اليوم يشير الى ان الحدث هو من يعيد تعريف « النص القانوني « وليس العكس وهكذا نكتشف الحقيقة تدريجياً . ان القانون الدولي لا يلغى دفعة واحدة ، ولكن يعاد تشكيله عبر الاحداث والوقائع . فكل خرق لا يقابل برد يتحول الى سابقة ، وكل سابقة تتكرر تصبح قاعدة ، وهكذا نجد انفسنا امام نظام قانوني جديد ، لا يكتب في المؤتمرات. بل يتشكل ويفرض في الميدان . نظام تنتقل يموجبه سلطة تفسير القانون من المؤسسات الدولية الى القوة السياسية والعسكرية التي تمسك بخاصرة العالم . وهنا بدلاً من ان يكون القانون ضابطاً للسلوك ، يصبح السلوك هو الذي يعيد تعريف القانون وتفسيره ، حقاً اننا نعيش لحظة اعادة كتابة الشرعية تحت النار ، وهي لحظة ستحدد وبلا شك ملامح السلم والامن الدوليين لعقود قادمة .
العراق بين النص القانوني وواقع الانكشاف
في قلب هذا التحول الجذري يقف العراق بوصفه نموذجاً صارخاً للتناقض بين « الشرعية النظرية « « و « الواقع العملي ، فبينما يؤكد الدستور العراقي لعام 2005 في مادته الثامنة على التزام الدولة بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الاخرين ، نجد ان هذا النص يصطدم بواقع جيوسياسي معقد ، يجعل العراق « ساحة تماس « ومساحة صراع مفتوحة بين قوى اقليمية ودولية متصارعة ، ومثل هذا الانكشاف الجيوسياسي واحتمال استخدام الاراضي العراقية بشكل مباشر او غير مباشر في سياق هذا الصراع يطرح اشكاليات وتساؤلات قانونية داخلية ودولية معقدة:-
استخدام الاراضي
اولها: هل تتحق المسؤولية الدولية للدول عند استخدام اراضيها دون ارادتها لضرب اطراف اخرى ، او كان هذا الاستخدام بسبب ضعف سيطرتها ؟
ثانيا: ما حدود التزامها بمنع هذا الاستخدام وفق قواعد القانون الدولي ، وما هي قدرة هذا القانون على حماية الدول التي تقع في مناطق النزاع من ان تتحول الى « بريد رسائل « عسكري بين الخصوم ؟
ثالثا: هل ان السيادة في النظام العالمي الجديد « هي حق قانوني فعلي متساوٍ لجميع الدول ، ام انها اصبحت امتيازاً سياسياً « يمنح للدول القوية ويسحب من الدول الضعيفة .
نحو نظام دولي جديد ... ام فوضى مقنعة؟
ان ما يجري اليوم لا يشير الى انهيار كامل للنظام الدولي « بل الى تحوله ، فالنصوص القانونية ما زالت قائمة ، غير ان تفسيرها لم يعد مستقراً ، والقواعد لم تلغ ، لكنها لم تعد ملزمة بالقدر ذاته ، وهذا يجعلنا امام مرحلة انتقالية قد تفضي الى نظام جديد ، او حالة من الفوضى المنظمة ، حيث تستخدم القواعد بمرونة لا تخدم الا موازين القوة. وعند هذه النقطة فقط ، لا يكون السؤال هل هنالك خرق للقانون الدولي ، وانما يصبح السؤال من يملك حق تفسير هذا الخرق ، ففي العالم الذي نراه يتشكل الان امام اعيننا ، لن تكون الغلبة لمن يملك السلاح فقط ، بل لمن يملك القدرة على تحويل القوة الى شرعية . عالم جديد لا يكتب في قاعات المؤتمرات بل يفرض في الميدان.
□ قــاضٍ متقــاعــد