تعذّر تسمية مرشّح الكتلة النيابية الأكثر عدداً
قراءة دستورية في حدود الإستحقاق وآليات المعالجة القانونية
سعد البخاتي
تُعدّ مسألة تكليف رئيس مجلس الوزراء من أبرز المفاصل الدستورية في النظام السياسي العراقي، لما يترتب عليها من آثار مباشرة تتصل بتشكيل السلطة التنفيذية وضمان استمرار المرافق العامة وتحقيق الاستقرار السياسي والمؤسسي. وقد عالج دستور جمهورية العراق لسنة 2005 هذا الموضوع في المادة (76/أولاً) التي نصت على أن رئيس الجمهورية يكلّف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة، بما يفصح عن إرادة دستورية واضحة تقصد عدم ترك هذا الاستحقاق خاضعاً للفراغ أو التأخير غير المبرر.
غير أن الإشكالية العملية تظهر حينما تعجز الكتلة النيابية الأكثر عدداً عن تسمية مرشحها لرئاسة مجلس الوزراء، سواء بسبب الانقسامات الداخلية، أو تضارب المصالح السياسية، أو غياب التوافق بين مكونات التحالف النيابي الذي يشكّل تلك الكتلة. وفي الحالة العراقية، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع التوازنات البرلمانية، قد تتكرر هذه الأزمة عند كل دورة انتخابية، مما يستوجب بيان المعالجة القانونية الصرفة بعيداً عن الحسابات السياسية.
تنظيم السلطة
إن الأصل في النصوص الدستورية أنها وُضعت لتنظيم السلطة لا لتعطيلها، ولتحقيق الاستقرار لا لإدامة النزاع. ومن ثمّ، فإن منح الكتلة النيابية الأكثر عدداً حق ترشيح رئيس مجلس الوزراء لا يعني منحها سلطة مطلقة في تعطيل هذا الاستحقاق أو تجميده إلى أجل غير معلوم. فالقاعدة القانونية المستقرة تقضي بأن كل حق يقابله واجب، وكل اختصاص يقترن بمسؤولية، ومن ثم فإن أولوية الترشيح تقابلها مسؤولية إنجاز هذا الاستحقاق ضمن زمن معقول ينسجم مع غاية النص الدستوري.
كما أن المادة (76) حين أوردت مددًا زمنية متتابعة لتكليف المرشح ثم تشكيل الوزارة، فإنها أفصحت عن توجه دستوري حاسم يقوم على السرعة والانضباط الزمني، بما يمنع الانسداد السياسي من التحول إلى أزمة دستورية. لذلك، فإن أي تفسير يمنح الكتلة الأكثر عدداً حق إبقاء الدولة معلّقة بانتظار توافقاتها الداخلية يُعد تفسيراً مخالفاً لروح الدستور ومقاصده.
ومن المبادئ العامة في القانون الدستوري أن استمرارية الدولة مقدمة على خلافات الكتل السياسية، لأن الدولة شخص معنوي دائم لا يجوز أن تتوقف وظائفه بسبب نزاع عابر بين القوى البرلمانية. وعليه، إذا أخفقت الكتلة الأكثر عدداً في تسمية مرشحها خلال مدة معقولة، فإن هذا الإخفاق لا يمكن أن يبقى بلا أثر قانوني، بل يرتب نتائج دستورية تضمن استمرار المؤسسات.
وفي هذا السياق، يمكن طرح المعالجة القانونية على مراحل واضحة:
أولاً: توجيه طلب رسمي لحسم الترشيح
يملك رئيس الجمهورية، بوصفه رئيس الدولة والساهر على احترام الدستور، أن يطلب من الكتلة النيابية الأكثر عدداً تقديم مرشحها خلال مدة محددة، استناداً إلى مبدأ حسن سير السلطات العامة، وعدم جواز تعطيل الاستحقاقات الدستورية.
ثانياً: اعتماد الإثبات النيابي الفعلي للأغلبية
إذا تعذر الاتفاق داخل الكتلة المعلنة، فإن المعيار لا يبقى وصفاً سياسياً مجرداً، بل ينتقل إلى معيار الدعم النيابي الحقيقي داخل مجلس النواب، أي الشخصية التي تستطيع إثبات حصولها على تأييد أغلبية نيابية قادرة على تمرير الحكومة. فالغاية من التكليف ليست التسمية الشكلية، بل تشكيل حكومة قابلة لنيل الثقة.
ثالثاً: اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا
تُعد المحكمة الاتحادية العليا الجهة المختصة بتفسير النصوص الدستورية، ومن ثم فإن طلب تفسير المادة (76) بشأن حالة عجز الكتلة الأكثر عدداً عن الترشيح يمثل المسار القانوني الأمتن، لأنه يضع حداً لأي جدل سياسي ويؤسس لحل ملزم لجميع السلطات.
رابعاً: منع تحول الاستحقاق إلى أداة تعطيل
لا يجوز استخدام وصف «الكتلة الأكثر عدداً» كساتر لتعطيل تشكيل الحكومة، لأن الاستحقاق النيابي وُجد لخدمة العملية الديمقراطية لا لإرباكها. والقاعدة الأصولية تقضي بأن ما شُرع لتحقيق مصلحة لا يجوز استعماله لتحقيق نقيضها.ومن الناحية الدستورية المقارنة، فإن العديد من الأنظمة البرلمانية لا تقف عند حدود الحزب أو الكتلة الأكبر إذا ثبت عجزها عن تشكيل الحكومة، بل تنتقل إلى تكليف من يملك فرصة حقيقية للحصول على ثقة البرلمان.
تصويت النواب
وهذا المنطق ينسجم مع طبيعة النظام البرلماني العراقي، لأن الشرعية النهائية للحكومة لا تستمد من مجرد الترشيح، بل من تصويت مجلس النواب على المنهاج الوزاري والكابينة الحكومية.كما أن استمرار حكومة تصريف الأعمال لفترات طويلة بسبب تعذر التسمية يُعد وضعاً استثنائياً لا يجوز التوسع فيه، لأن الحكومات المؤقتة تُقيّد صلاحياتها بطبيعتها، ولا تستطيع إدارة الملفات الكبرى أو مواجهة الأزمات الاقتصادية والأمنية والسيادية بكفاءة كاملة. لذا فإن حماية المصلحة العامة تقتضي تسريع الانتقال إلى حكومة كاملة الصلاحيات.
وخلاصة الرأي القانوني، أن حق الكتلة النيابية الأكثر عدداً في ترشيح رئيس مجلس الوزراء حق دستوري مقيد بواجب الإنجاز لا حق مطلق في التعطيل. فإذا عجزت عن ممارسة هذا الحق خلال مدة معقولة، جاز دستورياً الانتقال إلى البدائل التي تحقق الغاية الدستورية، سواء عبر إثبات أغلبية جديدة، أو عبر تدخل المحكمة الاتحادية العليا، أو من خلال إجراءات دستورية تحفظ انتظام عمل الدولة.
إن الدولة لا تُدار بالانتظار، والدستور لا يحمي الجمود، والشرعية لا تستقيم مع الفراغ. لذلك فإن المصلحة الدستورية العليا تقتضي أن يبقى تشكيل الحكومة مساراً منتجاً لا رهينة للخلافات السياسية، وأن تُفسَّر النصوص دائماً بما يخدم استقرار العراق ويصون مؤسساته الدستورية.
□ مستشار قانوني