صقر كردي في سماء النجف
احمد عبد المجيد
تسجل ذاكرتي ان وزير التعليم العالي الحالي (وكالة ) ،هو ثالث وزير للتعليم يزورمدينة النجف ، منذ عقود .فأول وزير لهذه الوزارة ( السيادية ) هو الدكتور عبد الرزاق العيسى الذي يسجل له الفضل في اطلاق اجازة معهد العلمين للدراساسات العليا في النجف ، ليكون أول مؤسسة اكاديمية أهلية تمنح شهادات رفيعة (ماجستير ودكتوراه) في اختصاصات كانت حصرية بالجامعات الحكومية .
اما الوزير الثاني الذي كنت شاهدا على تفقده معهد العلمين عام 2023 ، فهو الدكتور نعيم العبودي الذي كتبت عنه عمودا صحفيا نشرته (الزمان) ، وقلت فيه أنه بدا لي (عقله أكبر من عمره ) .
أما الوزير الثالث فهو (هه لو العسكري ) الذي كان حضوره مفاجئا الى حفل تخرج الدفعة الخامسة من طلبة المعهد ، ومصدر المفاجأة انه كان يتمتع بعطلة نهاية الاسبوع، التي غالبا ما يحرص على قضائها في مدينة السليمانية المولود فيها عام 1966. وبرغم وعثاء الطريق فان العسكري حرص على تلبية دعوة المعهد ورعاية حفل التخرج ، الذي كان بحق عرسا اكاديميا مفعما بالزهو العلمي والفرح الأنجازي والوفاء للمؤسسين.
و أول ما لفت الأنظار في شخصية (هه لو ) التي معناها باللغة الكردية الصقر، هو تواضعه ،الذي يبدو لي ان مصدره بناء اسري واكاديمي يتحلى به ، وقد عززته تجربته السياسية في صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة مام جلال، السياسي المنحدر من عائلة صوفية والمتخرج في كلية الحقوق بجامعة بغداد والمثقف المحتفي بديوان الجواهري وتمرد مظفر النواب .
وأما السجية الثانية اللافتة للنظر في شخصية الصقر الكردي (هه لو) فهي إتقانه العربية والكردية والانكليزية بطلاقة وقدرته على تقديم خطاب أقناعي فعال بين جمهور اكاديمي يترصد المفردة البلاغية ويــقوّم الإلقاء السليم على ضوء خصائص الشعر الجاهلي .
وأذا كان الاسم (هه لو) يوقع في الالتباس ، وهو أمر عانى منه الوزير ، فأن رحابة الصدر التي يتمتع بها، جنبته اشكالية الوقوع في التوتر أو الأنزعاج أوالظن غير المقصود . وعلمت أن (هه لو) كان يكتفي بأن يوضح لمن يجهل دلالات وعمق الأسم ، انه معناه (الصقر) ، ذلك الطائر الذي لا يسكن عادة إلا في الأعالي وغالبا ما يتخذ من قمم الجبال مأوى له بعد تحليقه الشاهق في السماء . وقد امعنت النظر وأنا ، استمع الى كلمته في الحفل ، الى قامة الوزير ووجدتني اربط بين علو هامه ومعنى اسمه ، فبدا بالنسبة لي محلقا يسكن قلوب مستمعيه ويأسرهم ، بحلو كلامه وعمق ملاحظاته، التي خص بها المعهد بعد جولة في اقسامه ومكتبته الواسعة و حضوره مناقشات الاساتذة والطلاب . وحرصه على ان تكون هذه الملاحظات ودية سبقتها أشادة منه بما يميزمعهد العلمين عن المعاهد والجامعات الحكومية التي تفقدها .
واعزو قدرته الأقناعية، بعد لقائه مع المشرف العام على المعهد الوزير والبرلماني الاسبق ابراهيم بحر العلوم ، الى مهارات اكتسبها (الصقر الكردي) من التواصل والتعامل مع موظفين من مختلف القوميات والفئات والمكونات والقدرات ومستويات التعليم والخلفيات الأجتماعية ، طيلة حياته الدراسية (بكالوريوس علوم زراعية بجامعة بغداد عام 1988 ودراسات العلوم البيئية في جامعة مانشستر بلندن والدكتوراه في علم تلوث البيئة بحامعة برونيل بلندن عام 2008)، وكذلك تقلده مناصب استشارية وأدارية عدة في حكومة أقليم كردستان (2018 -2020)، وتوليه منصب وزير البيئة في الحكومة الأتحادية ببغداد خلفا لوزيرها المستقيل نزار آميدي ، الذي أنتخب مؤخرا رئيسا للجمهورية .
وأخلص الى أن الصقر الكردي حــلق عـــــــاليا ،السبت الماضي، في سماء مدينة الأمام علي علــيه السلام لرعــاية حفل تخرج كوكبة من خريجي ، احد أبــرز الصروح العلمية العراقية. وكان (هه لو) بحق وحقيقة .