الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التحالفات الدولية.. بين براغماتية المصالح وثبات الاستراتيجيات

بواسطة azzaman

التحالفات الدولية.. بين براغماتية المصالح وثبات الاستراتيجيات

عبدالله خالد الفلاحي

 

تُعدّ التحالفات الدولية من أبرز سمات النظام العالمي، إذ تلجأ الدول إلى نسجها بوصفها أدوات لتحقيق الأمن وتعزيز النفوذ وضمان المصالح. غير أن الجدل لا يزال قائمًا حول طبيعة هذه التحالفات: هل هي تعبير عن ثوابت استراتيجية طويلة الأمد، أم أنها انعكاس مباشر لمصالح متغيرة تحكمها الظروف والضرورات؟

عند النظر إلى الأدبيات السياسية، خاصة في إطار المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، يتضح أن الدولة تُعرَّف بوصفها فاعلًا عقلانيًا يسعى إلى تعظيم مصالحه في بيئة دولية فوضوية. ومن هذا المنطلق، تصبح التحالفات وسيلة تكتيكية لا غاية بحد ذاتها. ويؤكد هذا الطرح ما قاله اللورد البريطاني بالمرستون: "ليس لبريطانيا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل لها مصالح دائمة"، وهي عبارة اختزلت جوهر السلوك السياسي للدول عبر التاريخ.

وتقدم الوقائع التاريخية شواهد واضحة على مرونة التحالفات وتبدلها. فخلال الحرب العالمية الثانية، تحالفت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي رغم التناقض الأيديولوجي الحاد بين الرأسمالية والشيوعية، وذلك لمواجهة خطر مشترك تمثل في ألمانيا النازية. لكن هذا التحالف لم يلبث أن انهار بانتهاء الحرب، ليدخل الطرفان في صراع طويل عُرف بالحرب الباردة. هذا المثال يكشف بوضوح كيف يمكن للتهديدات المشتركة أن تخلق تحالفات مؤقتة سرعان ما تتفكك بزوال أسبابها.

وفي مثال آخر أكثر معاصرة، يمكن ملاحظة التوترات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي يُفترض أنه تحالف استراتيجي ثابت. فعلى الرغم من استمراريته منذ عام 1949، إلا أنه شهد خلافات حادة بين أعضائه، سواء بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية أو المواقف من أزمات دولية معينة، مثل الحرب في العراق عام 2003. هذا يدل على أن حتى التحالفات المؤسسية ليست بمنأى عن تأثير المصالح الوطنية المتباينة.

وفي المقابل، هناك تحالفات تبدو أكثر استقرارًا نتيجة تداخل المصالح على نحو عميق ومتعدد الأبعاد. فالعلاقة بين الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، على سبيل المثال، لا تقوم فقط على الأمن المشترك، بل تمتد إلى الاقتصاد والقيم السياسية والتكامل المؤسسي. هذه الشبكة المعقدة من المصالح تمنح التحالف قدرًا من الثبات، وإن لم تجعله مطلقًا أو غير قابل للتغير.

أما في الشرق الأوسط، فتتجلى سيولة التحالفات بشكل أكثر وضوحًا. فقد شهدت المنطقة تحولات متسارعة في الاصطفافات السياسية، حيث أعادت دول عدة تشكيل علاقاتها بناءً على اعتبارات أمنية واقتصادية متغيرة، مثل مكافحة الإرهاب، أو مواجهة نفوذ إقليمي معين، أو السعي لتحقيق استقرار داخلي. هذه الديناميكية تعكس طبيعة بيئة إقليمية مضطربة تجعل من الثبات الاستراتيجي أمرًا نسبيًا لا مطلقًا.

إضافة إلى ذلك، تشير دراسات العلاقات الدولية إلى أن التحالفات غالبًا ما تمر بدورات: تنشأ عند وجود تهديد مشترك، وتترسخ مع تعمق المصالح، ثم تضعف أو تتفكك عند تغير البيئة الاستراتيجية. وقد أظهرت بيانات النزاعات الدولية أن نسبة كبيرة من التحالفات الدفاعية لم تستمر لأكثر من بضعة عقود دون تعديل أو إعادة صياغة، وهو ما يعزز فكرة أن التغير سمة ملازمة لها.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن التحالفات الدولية لا تُفهم على نحو دقيق إذا نُظر إليها بوصفها ثابتة أو متغيرة بشكل مطلق. فهي في جوهرها مزيج من الاثنين: تستند إلى مصالح قد تبدو مستقرة في المدى القصير والمتوسط، لكنها تظل قابلة لإعادة التقييم في ضوء التحولات الكبرى. ومن هنا، فإن فهم طبيعة هذه التحالفات يتطلب إدراك أن الثبات فيها نسبي، وأن البراغماتية تظل العامل الحاسم في تشكيلها واستمرارها.

وعليه، فإن التحالفات ليست عقودًا أبدية بقدر ما هي ترتيبات مرنة، تعكس توازنات القوة وحسابات المصلحة. وفي عالم سريع التغير، تبقى القدرة على التكيف وإعادة التموضع هي السمة الأبرز للدول، وهي التي تحدد في النهاية شكل تحالفاتها واتجاهاتها.

 

 


مشاهدات 70
الكاتب عبدالله خالد الفلاحي
أضيف 2026/04/18 - 4:21 PM
آخر تحديث 2026/04/19 - 12:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 49 الشهر 15501 الكلي 15233574
الوقت الآن
الأحد 2026/4/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير