قراءة نقدية في متن قصيدة سيرة الرفض في دم الحصى للشاعر عبد المنعم حمندي
رياض عبد الواحد
تنهض هذه القصيدة، منذ عتبتها الدلالية (سيرةُ الرفض في دم الحصى)، بوصفها كتابةً ضدّية تُحوِّل الرفض من موقفٍ عابر إلى /سيرة/ أي إلى بنية زمنية ممتدة تتخلّق داخل مادّة قاسية (الحصى) لتعلن منذ البدء انحيازها إلى شعرية التوتّر بين الحيوي والجامد، بين الدم بوصفه طاقة حياة، والحصى بوصفه كثافة الموت والصلابة. هذه المفارقة التأسيسية لا تظل مجرّد زخرفة بلاغية بل تتحوّل إلى نواة اشتغال النص كله.
على المستوى السيميائي، يُعيد النص توزيع الحقول الدلالية بنحو انزياحي لافت فالحزن لا يُعاش بوصفه شعوراً داخلياً فحسب لكن يتسرّب إلى الخارج: (في الشوارع، في العيون، في الأصابع، وعلى المآذن، في الجوامع). هذا الانتشار يُفكّك الثنائية التقليدية بين الذات والعالم ليجعل من الحزن بنيةً كونية، أو بالأدق /لغةً جمعية/ تتكلم عبر الأمكنة والأجساد. وهنا تتبدّى فاعلية التكرار (في… في… في…) بوصفه تقنية إيقاعية تُحاكي الامتداد الأفقي للألم، وتحوّله إلى شبكة دلالية متشعّبة.
في البعد البنيوي، يقوم النص على حركة جدلية بين ثلاثة محاور:
محور الجرح (الألم/الذاكرة)، محور السؤال (القلق المعرفي/الوجودي)، ومحور النداء (الرغبة في الانبعاث). غير أنّ هذه المحاور لا تتقدّم خطياً بل تتداخل في بنية حلزونية تعيد إنتاج نفسها عبر صور متحوّلة. فكلّما (حاور» الشاعر جرحاً، لا ينفتح على الشفاء، بل «يذكي الحمام) ويشعل (النار التماعاً في الرخام) بمعنى أنّ محاولة التهدئة تنقلب إلى تأجيج في مفارقة تكشف هشاشة الأمل داخل بنية مأزومة.
أما في المستوى التداولي، فإن الخطاب الشعري يتأرجح بين ضمير المتكلم (أنا) ونداءات موجهة (يا أيها الفجر»، أَتُراك تدري)، مما يخلق فضاءً حوارياً مفتوحاً، لكنه حوار بلا استجابة حقيقية إذ يتحوّل السؤال إلى أداة تعرية لا إلى وسيلة معرفة. فالسؤال هنا ليس استعلاماً، بل كشفٌ عن انسداد الأفق، ولذلك تتكاثر الاستفهامات من دون أن تُفضي إلى يقين.
اللافت كذلك هو اشتغال النص على (تشييء المجرد) و(تجسيد الغائب؛ فالريح /تكنس/، والموت /ينبح/، والأمنيات /مكبّلات/، والذكريات (يسيل فوقها الظلام. هذا الإسناد المجازي يمنح العالم بعداً كابوسياً، حيث تتحوّل العناصر إلى كائنات فاعلة في مأساة مستمرة وهو ما يعمّق الإحساس بانفلات الواقع من قوانينه الطبيعية.
في المستوى النفسي، تتكشّف الذات بوصفها كياناً منكسراً بين قطبين: (الذئاب) و(سيف المقصلة)، أي بين عنف الطبيعة وعنف السلطة. هذا التمزّق لا يُنتج مقاومة صلبة بقدر ما يولّد (ارتباكاً مزمناً) وهو توصيف دقيق لحالة الوعي المأزوم الذي يدرك الكارثة لكنه عاجز عن تجاوزها. ومع ذلك، لا يخلو النص من ومضات مقاومة رمزية، كما في الدعوة إلى (إسراج قناديل الرؤى) غير أن هذه الومضات تبقى محاصرة داخل فضاء كثيف من العتمة.
تتجلى ذروة النص في المقطع الأخير، إذ يتحوّل الصوت الخارجي (الصوت الثقيل) إلى ما يشبه (ضمير الخراب) الذي يقدّم وصايا مضادة للحياة: (اكسر كؤوسك)، (املأ جراحك بالحصى). هنا يبلغ الخطاب أقصى درجات المفارقة، إذ يصبح النجاة مشروطة بالتكيّف مع الخراب، لا بمقاومته. ومع ذلك، تنبثق من هذه القتامة إمكانية تأويل معكوس: فامتلاء الجراح بالحصى قد يكون، في عمقه الرمزي، محاولة لإعادة تشكيل الذات من داخل الانكسار.
إجمالاً، تُنجز القصيدة بناءً متماسكاً على الرغم من كثافتها التصويرية العالية، وتنجح في تحويل التجربة الفردية إلى خطاب جمعي مشحون بالأسئلة الوجودية. إنها كتابة تُراهن على طاقة اللغة في كشف العطب، لا في تجميله، وتؤسس لشعرية تقوم على التوتر الدائم بين الانكسار والاحتمال، بين الرفض بوصفه جرحاً، والرفض بوصفه أيضاً شرطاً للوعي.
القصيدة :
( سيرةُ الرَّفضِ في دَمِ الحَصى)
......
حُزْني تَوَغَّلَ في دَمي
وَرَأَيْتُهُ بِدَمِ الحَصى
وَفي خَريرِ المَاءِ تَغْسِلُهُ المَواجِعْ
في الشَّوارِعِ،
في العيون وَفي الأصابع
وَعَلى المَآذِنِ..
في الجوامع
أَفَكُلَّما حاوَرتُ..
جُرْحاً ما اسْتَكانَ لِبَلْسَمٍ..
أَذْكَى الحَمامْ
وَأَشْعَلَ النَّارَ الْتِماعٌ في الرُّخامْ
يَسيلُ فَوْقَ الذِّكْرَياتِ مَعَ الظَّلامِ
يا أَيُّها الفَجْرُ انْبَثِقْ
هذا الرَّمادُ ما غَفا
إِلَّا عَلى كَتِفِ الغَمامِ
......
مَاذا تَبَقَّى مِنْ غُبارِ الأَسْئِلَة؟
وَالرِّيحُ تَكْنُسُ ما نَقَشْناهُ..
عَلى وَجْهِ المَرايا في نُباحِ القَتَلَة
أَنَا يا أَنَا.. مَحْضُ ارْتِباكٍ مُزْمِنٍ
بَيْنَ الذِّئابِ.. وَبَيْنَ سَيْفِ المَقْصَلَة
هَلْ كَانَ لِي..؟
أَنْ أَسْتَعيرَ بَصيرةً مِنْ صَخْرَةٍ
صَمَتَتْ.. فَكانَ صَمْتُها جَدَلَ البَقاءْ؟
أَتُراكَ تَدري.. مَنْ سَقاكَ الغُربَةَ؟
وَمَنِ الَّذي حَرَقَ الهَواءْ..
وَقَصَّ أَجْنِحَةَ الفَضاءْ؟
......
إِنِّي سَأَلْتُ الرَّمْلَ
عَنْ أَثَرِ المَنافي في البِلادْ..
فَأَجابَني:
العُمْرُ مُنكَسِرٌ،
فَلا تَصْعَدْ إِلى جَبَلٍ تَوَشَّحَ بِالطُّيوفِ
هَذي الجُروحُ البيضُ
لا تَخْشى السُّيوفِ.
الْتَهَبَتْ بِها كُلُّ الحُروفِ
وَفي المَلاحِمْ.
في المَرايا..
فَوْقَ جُرْفِ الصَّمْتِ.. حالمْ
آوَيْتُ قَلباً مُتْعَباً
كَسَرَتْ عَصاهُ يَدُ الهَزائِمْ؟
في الروحِ.. جَمْرٌ ما انْطَفأْ
وَلا سَماءٌ طَرَّزَتْ ثَوْبَ الشِّفا
وَالرِّيحُ تَشْدو بِالمَآتِمْ.
نَسْعى وَيَسْبِقُنا الذُّهولُ
إِلى الحَكايا الغارِقاتِ في النَّوائِبِ
وَالأُمْنِياتُ مُكَبَّلاتٌ
في المَآسي وَالمَتاعِبْ.
يا أَيُّها الماشي لِنَبْعٍ غائِضٍ
مَهْلاً.. وَلا تَخْشَ المَذَلَّةَ،
لا تَميلُ مَعَ المَواكِبْ.
وَلا تَخَفْ..
المَوْتُ يَنْبَحُ في الدُّروبِ..
بَيْنَ الأَزِقَّةِ.. في الصَّباحِ وَفي الغُروبِ
أَسْرِجْ قَناديلَ الرُّؤى
وَاعْصِفْ بِروحِ مَنْ غَدَرْ
في الكَأْسِ.. مُرٌّ عَلْقَمٌ
وَلا نُقوشَ في الحَجَرِ
وَلا غُصونٌ نَمَتْ في صَخْرَةٍ
فَكَيفَ لا يَنْمو الشَّجَر؟
الرِّيحُ تَلْهَثُ في الجُفُونِ
وَفي القُلوبِ اليابِساتِ مِنَ الكَدَرْ..
وَالأُمْنِياتُ مُعَلَّقاتٌ بِالسَّرابِ
وَفي الغِيابِ.. وَفي العذابِ
فَالصَّحارى لا تَخافُ مِنَ الهَجيرِ،
وَلا تَمُنُّ عَلى المَطَرْ.
......
مَنْ ذا يُعيرُ فَمي الحُروفَ
وَقَدْ أَضاعَ لِسانُنا نُطْقَ الجِيادْ؟
أَنا قَدْ شَرِبْتُ مَرارَةً
مِنْ نَخْبِ تاريخٍ يُغَطّيهِ الرَّمادْ..!
أَيْنَ الَّذينَ تَشَبَّثوا بِجِدارِنا؟
سَقَطوا كَأَوْراقِ الخَريفِ
تَصَحَّروا..، مُبَعْثَرون
عَلى رَصيفِ الوَقْتِ تَنْهَشُهُمْ ذِئابٌ مِنْ سَوادْ.
وَأَصِيحُ: يا هَذا الجَمادْ
أَيْنَ الأَماسي وَالجِيادْ؟
فَيُجيبُني صَوْتٌ ثَقيلٌ
يَرْتَدي كَفَنَ الهَزيمَةِ في البِلادْ:
اِكْسِرْ كُؤوسَكَ في الفَراغِ،
كُنْ ذلِكَ النّاجِي الوَحيدَ
مِنَ الحَريقِ..
اِمْلأْ جِراحَكَ بِالحَصى
فَلَرُبَّما يَصْحو مِنَ العَطَشِ الفُؤادْ
أَوْ تَسْتَعيدَ الرّوحُ طُهْرَ صَلاتِها
وَتَمُدَّ كَفاً لِلثَّرى
مِنْ غَيْرِ زَرْعٍ لِلْحَصادْ.
......
عبد المنعم حمندي
15 نيسان 2026