الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تحت قبه البرلمان..  لا تهدموا ما بنيّ بأعوام

بواسطة azzaman

تحت قبه البرلمان..  لا تهدموا ما بنيّ بأعوام

نبيل رحيم العبادي

 

الدفاع عن استقلالية البنك المركزي واجب وطني قبل أن يكون ترفا قانونيا وكثيرون ممن يتابعون الشأن الاقتصادي اليوم يتساءلون هل يصح أن يكون محافظ البنك المركزي العراقي عرضة للاستجواب البرلماني في كل منعطف تتأزم فيه أسعار الصرف والإجابة التي    يجب أن تقال بوضوح وبصوت المهتم بالقطاع المصرفي هي كلا ثم كلا ليس لأننا ننكر حق مجلس النواب في الرقابة بل لأن ثمة سياجا دستوريا وقانونيا حمى به المشرع العراقي هذه المؤسسة إدراكا منه لخطورة وحساسية السياسة النقدية وأثرها على لقمة عيش المواطن وسمعة البلد المالية الدولية.

   الحديث عن استجواب المحافظ ليس حديثا عن شخص بقدر ما هو حديث عن تداعيات زعزعة استقرار مؤسسة بأكملها فقانون البنك المركزي العراقي رقم ستة وخمسين لسنة الفين واربعة كان واضحا لا لبس فيه حين وصف البنك بأنه مؤسسة مستقلة ماليا وإداريا والهدف من هذا النص ليس منح المحافظ حصانة شخصية بل هو تحصين للسياسة النقدية من أي تدخل آني أو ضغوط سياسية قد تنتج عن سجال تحت قبة البرلمان فثقة السوق المالية لا تبنى في يوم وليلة ولكنها يمكن أن تهتز في جلسة استجواب واحدة فكيف لو تحول الاستجواب إلى مادة دسمة للتفاعل في مواقع التواصل الاجتماعي بعيدا عن الأصول الفنية والمصرفية المعقدة ..

   وهنا نصل إلى جوهر الدفع القانوني الذي يجب أن يسمعه كل عراقي غيور على استقرار الدينار العراقي إن الدستور العراقي في مادته الحادية والستين وضع قيودا مشددة على آلية استجواب مسؤولي الهيئات المستقلة فلم يترك الأمر مفتوحا على مصراعيه بل اشترط أن يقدم الطلب من نائب فرد ويحظى بتأييد خمسة وعشرين عضوا على الأقل وهذا ليس تعطيلا للديمقراطية كما قد يظن البعض بل هو ضمانة أكيدة ضد المزاجية والتسييس المفرط لملفات يفترض أن تدار بخبرة فنية صرفة وقد أيدت المحكمة الاتحادية العليا هذا التوجه في قرارها التفسيري رقم مئة واثنين وعشرين لسنة الفين واثنين وعشرين حيث ساوت بين آلية استجواب الوزير وآلية استجواب المحافظ مما يعني أن أي تجاوز للشروط الشكلية يفقد الاستجواب قيمته الدستورية ويجعله إجراء معدوما منذ لحظة ولادته القانونية.

     وأنا أكتب هذه السطور بصفتي عراقيا أتابع تطورات السوق لحظة بلحظة فإنني أرى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في شخص المحافظ أو أدائه اليومي بل في الرسالة التي يرسلها هذا الاستجواب إلى صناديق النقد الدولية والمستثمرين الأجانب والدائنين السياديين رسالة مفادها أن مؤسسة النقد في العراق ليست مستقلة حقا وأن قرارها في أي لحظة يمكن أن يخضع لأهواء موقف سياسي أو مزاج شعبي عابر هذا التصور وحده كفيل بأن يرفع من كلفة الاقتراض السيادي للدولة ويضعف موقف الدينار أمام سلة العملات الأجنبية ومن هنا فإن الدفاع عن حصانة المحافظ الإجرائية ليس دفاعا عن منصب بقدر ما هو دفاع عن مصداقية العراق المالية كدولة تحترم قوانينها ومؤسساتها وتدرك حدود الفصل بين السلطات فالرقابة المالية مشروعة لكنها يجب أن تمارس عبر قنواتها الصحيحة وعبر لجنة الشؤون المالية النيابية المختصة وليس عبر منصات الاستجواب العلني التي كثيرا ما تأخذ طابعا شعبويا على حساب المضمون الفني العميق.

ختاما أقول إن استقرار البنك المركزي هو خط الدفاع الأخير عن قيمة الدينار في جيب المواطن البسيط والعبث بهذا الاستقرار تحت شعار الرقابة هو سيف مسلط على رقاب الناس قبل أن يكون على رقاب المسؤولين فلنحافظ على المؤسسة ولندع إجراءاتها الفنية تسير في مسارها القانوني الصحيح دون أن نجعل منها مادة للمزايدات السياسية أو فرقعة إعلامية عابرة فما يبنىّ اليوم من ثقة قد نخسره غدا في جلسة واحدة لا تحمد عقباها.

 

 

  خبير قانوني


مشاهدات 66
الكاتب نبيل رحيم العبادي
أضيف 2026/04/18 - 4:16 PM
آخر تحديث 2026/04/19 - 12:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 49 الشهر 15501 الكلي 15233574
الوقت الآن
الأحد 2026/4/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير