الصراع على مضيق هرمز.. سيناريوهات محدودة لحصار بحري أمريكي في ظل غياب توافق دولي
عماد علوّ الربيعي
المقدمة
منذ 28 شباط فبراير 2026، وعلى مدى أربعين يوما» من القصف الجوي المتبادل بين الولايات المتحدة الامريكية وإسر- يل، من جهة والجمهورية الإسلامية في ايران من جهة أخرى، تغيرت بشكل لافت قائمة الأهداف الامريكية للعملية العسكرية التي اعتمدها الرئيس الأمريكي لتبرير حشده العسكري الجوي والبحري والبرمائي الضخم ضد ايران، وصولا» الى المفاوضات التي عقدت بتاريخ 11 نيسان أبريل 2026، في اسلام اباد بوساطة باكستانية ــــــ صينية، بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ليعلن الرئيس ترامب تحول استراتيجيته نحو ايران الى خيار (الحصار البحري)، التي تمثل تطورًا نوعيًا في الأهداف والوسائل، بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية التي تستهدف شلّ القدرة الاقتصادية والعسكرية لإيران بالكامل بعد أن فشلت الأدوات الأخرى، فضلا» عن تحول استراتيجي امريكي من سياسة الردع والاحتواء إلى سياسة الإكراه المباشر ،بهدف تقييد القدرات الايرانية على العمل إقليميًا ودوليًا.
والسؤال المطروح هو عن مدى نجاح ترامب في إدارة هذا النوع من المواجهة البحرية مع بحرية الحرس الثوري الإيراني، وصولا» الى هدفه المعلن بفتح مضيق هرمز؟
عمليات بحرية
مسرح عمليات الخليج ومضيق هرمز يعتبر الخليج العربي مسرح عمليات بحري شبه مغلق، ويمتاز بالضحالة في ممراته الملاحية ضحل نسبيًا، وتتأثر به عدد من الدول المطلة على الخليج العربي وخليج عمان العراق، إيران، الكويت، السعودية، البحرين، قطر، الإمارات، عُمان. والمنطقة ذات الأهمية الجيوستراتيجية في هي مضيق هرمز، ذلك الممر مائي الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان ثم المحيط الهندي، عرضه يتراوح بين 33–95 كم، بينما ممرات الملاحة الفعلية أضيق بكثير (حوالي 3 كم لكل اتجاه)، الأمر الذي يحدد بشكل كبير من قدرة مناورة القطع البحرية والسفن داخله. ولكنه من جهة أخرى يمنح ايران ميزة عسكرية واستراتيجية في التحكم بمداخله ومخارجه بسبب قربها واشراف سواحلها عليه من خلال استخدام الصواريخ الساحلية (بر بحر)، والطائرات المسيرة وكذلك المدفعية وسلاح الألغام والزوارق المسلحة الصغيرة السريعة، فضلا» عن سهولة الرصد عبر الرادارات والطائرات بدون طيار، الأمر الذي يجعل ادامة حصار بحري تقليدي صعب التنفيذ دون خسائر أو احتكاكات مستمرة.
توسيع نطاق المواجهة العسكرية يعتبر قرار الرئيس ترامب بفرض الحصار البحري على ايران، عمل حربي مباشر وفق القانون الدولي، وهو في الواقع محاولة إلى خنق استراتيجي للاقتصاد الإيراني، وقد يؤدي بالتالي الى تصعيد خطير باتجاه توسيع اكثر لمساحة العمليات العسكرية قد تصل الى البحر الأحمر وقناة السويس، خصوصا» اذا ما ذهب حلفاء ايران الى زرع الألغام البحرية، أو القيام بشن هجمات على السفن التجارية وناقلات النفط، باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للسفن، وكذلك الحرب السيبرانية ضد البنية التحتية للطاقة، في منطقة الخليج.
السيناريوهات العسكرية المحتملة
في ضوء التحول في الفعل العسكري الأمريكي الى فرض الحصار البحري على ايران، فان ذلك سيتطلب إعادة تموضع وانفتاح الأصول العسكرية الأمريكية من قطع بحرية وطائرات في ساحة العمليات بالشكل الذي يؤمن قدرة القوات الامريكية على فرض وادامة هذا الحصار البحري، باتجاه سيناريوهات العمليات العسكرية التالية:
الحصار البحري المحدود: من خلال فرض رقابة مشددة من قبل البحرية الامريكية على السفن التجارية أو ناقلات النفط أو كلا النوعين، المتجهة من وإلى إيران، خصوصًا قرب مضيق هرمز، والتحقق من وجهتها بحسب ما تحمله من وثائق ومواد وهذا السيناريو سيتطلب اعتراض وتفتيش السفن، وتحديد الموانئ الإيرانية المشمولة بالحصار والمنع من الوصول اليها، أو مغادرتها. الا انه من المحتمل جدا» أن تقوم بحرية الحرس الثوري بعمليات مشابه أيضا» ضد السفن والناقلات التي قد تقصد الموانئ الخليجية.
الحصار البحري والجوي الشامل: وهو عملية عسكرية تتطلب نشر قوات بحرية وجوية كبيرة ورقابة جوية وراداريه أيضا «بهدف غلق كافة الممرات الملاحية المؤدية للموانئ والاجواء الإيرانية، بهدف منع توريد او تصدير السلع والبترول والغاز، لغرض شل الاقتصاد الإيراني، وهذا النوع من الحصار يعتبر عملا» حربيا» صريحا»، قد يدفع الحرس الثوري الإيراني لإغلاق الممرات الملاحية الخليجية المؤدية الى موانيء دول الخليج باستخدام مختلف أنواع الأسلحة وحتى الألغام.
ضربات عسكرية
حصار بحري مدعوم بضربات عسكرية: في حالة انتهاء الهدنة الحالية دون اتفاق بين واشنطن وطهران قد يتحول الحصار الى ضربات عسكرية ضد قواعد بحرية إيرانية وزوارق الحرس الثوري، ومنصات الصواريخ الساحلية، بهدف تحييد قدرة إيران على كسر الحصار، الا أن قد يدفع الحرس الثوري الى إعادة استهداف موانئ وقواعد دول الخليج، في عمليات عسكرية غير متناظرة وهجمات عبر وكلاء إقليميين، لتعظيم كلفة استمرار الحصار البحري الأمريكي
استنتاج ختامي
السيناريو الأخطر هو السيناريو الثاني (الحصار البحري والجوي الشامل)، الذي يعتبر عملا» حربيا» وفق القانون الدولي. أما السيناريو الأكثر احتمالا» فهو السيناريو الأول (الحصار البحري المحدود)، الذي يؤمن ضغط تدريجي على الاقتصاد والحياة الداخلية الإيرانية. ان تحول استراتيجية الولايات المتحدة في عدوانها على ايران الى استراتيجية الحصار البحري سيجعل احتمالية العودة الى حرب استنزاف طويلة الاجل أمر في غاية الخطر على الامن والسلام الإقليمي وقد يؤدي الى تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي، لأن إيران لا تحارب بحريًا بشكل تقليدي، بل تستخدم أساليب الحرب البحرية غير المتناظرة بأسلحة غير مكلفة مثل الألغام البحرية، والزوارق الحربية السريعة، والصواريخ الساحلية (بر بحر)، والطائرات المسيّرة الانتحارية.
في وقت لايزال حلفاء واشنطن في حلف الناتو والاتحاد الأوربي ودول الخليج الانخراط في هذه المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران لغياب الإجماع داخل حلف شمال الأطلسي وتفضل دعم الحلول الدبلوماسية، حيث لم تتمكن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تحقيق نجاح واضح في بناء توافقا» سياسيا» دوليا» لأي عمل حربي دولي أو حتى إقليمي مشترك ضد ايران.
اللواء البحري الركن المتقاعد