الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إتفاق مؤجّل أم صراع يتجدّد؟.. مباحثات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران

بواسطة azzaman

إتفاق مؤجّل أم صراع يتجدّد؟.. مباحثات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران

دعاء يوسف

 

في محاولة جديدة لكسر الجمود الذي يطبع العلاقة بين واشنطن وطهران، احتضنت إسلام آباد جولة محادثات وُصفت بأنها الأكثر حساسية منذ سنوات، بوساطة باكستان التي سعت إلى لعب دور الجسر بين خصمين تاريخيين. إلا أن هذه الجولة، رغم الزخم السياسي والإعلامي الذي رافقها، انتهت دون اتفاق، كاشفةً مرة أخرى أن جوهر الخلاف بين الطرفين يتجاوز الملفات التقنية إلى صراع أعمق على النفوذ والاعتراف والهيمنة.

منذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أن المفاوضات لا تسير على أرضية مشتركة، بل على مسارين متوازيين لا يلتقيان. فبينما دخلت الولايات المتحدة وهي تسعى إلى تثبيت معادلة أمنية صارمة في المنطقة، ركزت إيران على كسر طوق العقوبات وانتزاع اعتراف سياسي بدورها الإقليمي. هذا التباين لم يكن تفصيلاً تفاوضيًا، بل كان انعكاسًا لصراع بنيوي في الرؤية الاستراتيجية لكل طرف.

أحد أبرز مظاهر هذا التعارض ظهر في ملف الأصول الإيرانية المجمدة، الذي طُرح كاختبار أولي لحسن النية. فقد تعاملت طهران مع هذا الملف باعتباره خطوة تمهيدية لا بد منها لبناء الثقة، في حين تعاملت معه واشنطن كورقة تفاوضية مشروطة، لا يمكن تقديمها دون مقابل واضح. هذا التباين في التعاطي سرعان ما تحوّل إلى أزمة روايات، حيث أعلنت وسائل إعلام إيرانية أن هناك موافقة ضمنية على الإفراج عن الأموال، بينما سارع مسؤولون أمريكيون إلى نفي ذلك، ما أعاد التأكيد على أن أزمة الثقة لا تزال هي العائق الأكبر أمام أي تقدم.

لكن خلف هذا الخلاف الظاهري، كان الملف النووي حاضرًا كالعقدة الأكثر تعقيدًا. فواشنطن لا تزال ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا استراتيجيًا يتطلب قيودًا صارمة وضمانات طويلة الأمد، في حين تصر طهران على أن برنامجها حق سيادي غير قابل للمساومة بالشكل الذي يُطرح عليها. وبين هذا وذاك، تتحول المفاوضات إلى محاولة لإعادة تعريف الخطوط الحمراء، لا إلى البحث عن أرضية مشتركة.

ولم يكن الأمن الإقليمي بعيدًا عن طاولة النقاش، بل كان في قلبها. فمضيق هرمز، الذي يشكل شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، ظل نقطة توتر صامتة لكنها حاسمة.

 الولايات المتحدة تدفع باتجاه ضمان حرية الملاحة بشكل مطلق، بينما تنظر إيران إلى المضيق كأداة سيادية واستراتيجية لا يمكن التخلي عن أوراق الضغط المرتبطة بها. هذا التناقض يعكس جوهر الصراع: من يملك القدرة على التحكم بمفاصل المنطقة؟

تقليص نفوذ

إلى جانب ذلك، برزت قضية النفوذ الإقليمي كملف غير معلن لكنه حاضر بقوة في خلفية المشهد. فالدور الإيراني في دول مثل العراق وسوريا ولبنان لا يمكن فصله عن أي نقاش مع واشنطن، التي تسعى إلى تقليص هذا النفوذ، بينما تعتبره طهران جزءًا من منظومة أمنها القومي. وهنا، تتحول المفاوضات من نقاش حول ملفات محددة إلى مواجهة غير مباشرة حول شكل النظام الإقليمي بأكمله.

العامل الداخلي في كلا البلدين لعب دورًا لا يقل أهمية عن الملفات المطروحة. ففي واشنطن، لا تزال أي تسوية مع إيران تخضع لحسابات سياسية دقيقة، حيث يُنظر إلى تقديم تنازلات كبيرة على أنه ضعف استراتيجي، خصوصًا في ظل بيئة سياسية داخلية منقسمة.

وفي المقابل، تواجه القيادة الإيرانية معادلة مشابهة، إذ لا يمكنها الظهور بمظهر المتراجع أمام الضغوط، دون أن ينعكس ذلك على توازناتها الداخلية.أما باكستان، التي حاولت تقديم نفسها كوسيط قادر على تقريب وجهات النظر، فقد وجدت أن الفجوة بين الطرفين أعمق من أن تُردم بجولة واحدة، أو حتى بعدة جولات. فالدور الوسيط، مهما كان نشطًا، يبقى محدودًا عندما يتعلق الأمر بصراع تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الأيديولوجيا والتاريخ.

انتهاء هذه الجولة دون اتفاق لا يعني بالضرورة فشل المسار الدبلوماسي بالكامل، لكنه يؤكد أن أي اختراق مستقبلي سيحتاج إلى تغييرات أوسع في مواقف الطرفين، أو إلى ظروف دولية مختلفة تفرض إعادة حسابات جديدة.

 وحتى ذلك الحين، ستبقى العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران محكومة بمعادلة دقيقة: تفاوض بلا ثقة، وتصعيد مضبوط الإيقاع.

في المحصلة، تكشف مباحثات إسلام آباد أن الصراع بين واشنطن وطهران لم يعد مجرد خلاف على ملف نووي أو أموال مجمدة، بل هو صراع على تعريف الدور والمكانة في نظام إقليمي مضطرب.

 وبين محاولات التهدئة ومخاطر التصعيد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام اتفاق مؤجل، أم أمام فصل جديد من صراع طويل لم يصل بعد إلى ذروته؟


مشاهدات 68
الكاتب دعاء يوسف
أضيف 2026/04/12 - 4:00 PM
آخر تحديث 2026/04/13 - 3:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 125 الشهر 10342 الكلي 15228415
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير