الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مرايا الواقع البصري: قراءة في رواية ظلال ماري


مرايا الواقع البصري: قراءة في رواية ظلال ماري

محمد علي محيي الدين

 

في قراءة متأنية لرواية السارد زكي الديراوي الصادرة عن دار الكاتب البصري سنة 2025، نجد أنفسنا أمام عمل سردي واقعي ينهض على رصد دقيق لتحولات المجتمع البصري، ويغوص في تفاصيل الحياة اليومية للإنسان العراقي، مستمدًا مادته من بيئة شعبية نابضة، تعكس ما يختزنه الواقع من تناقضات وتقاطعات. لقد استطاع الكاتب أن يمسك بخيوط متعددة من الأحداث والشخصيات، ليحيك منها نسيجًا روائيًا متماسكًا، يزاوج بين التوثيق الفني والرؤية الاجتماعية.

تتجلى أهمية الرواية في قدرتها على تقديم صور متعددة للمجتمع، لا بوصفها لقطات منفصلة، بل بوصفها حلقات مترابطة تشكّل في مجموعها رؤية شاملة. فهي تنقل القارئ إلى فضاء بصري كان يتميز بالتسامح والتعايش، حيث تتجاور القوميات والأديان والمذاهب دون حواجز، وتغدو العلاقات الإنسانية أسمى من الانتماءات الضيقة. ولعل أبرز ما يرمز إلى هذا المعنى هو دار رعاية الأيتام التي أنشأتها الكنيسة، والتي لم تكن حكرًا على فئة دون أخرى، بل احتضنت الجميع، في مشهد يختزل روح المجتمع آنذاك. وهذه الصورة لا تأتي بوصفها مجرد حدث عابر، بل كإشارة ضمنية إلى ما آل إليه الواقع لاحقًا من تفكك، بفعل أفكار طارئة مزّقت ذلك النسيج الإنساني.

ثيمة الايتام

وتبرز في الرواية ثيمة الأيتام بوصفها محورًا إنسانيًا عميقًا، إذ يسلّط الكاتب الضوء على معاناتهم في مجتمع لا يخلو من القسوة، حيث تتجاذبهم نوازع الخير والشر. غير أن الرواية لا تقف عند حدود المأساة، بل تفتح أفقًا للأمل، من خلال التأكيد على قدرة الإنسان على تجاوز واقعه، إذا ما امتلك الإرادة والعزيمة.

وتتجسد هذه الرؤية من خلال شخصية “ماري”، الممرضة التي تحمل الرواية اسمها، والتي تمثل نموذجًا إنسانيًا نادرًا في عطائه. إذ تتكفل برعاية طفل وُلد في ظروف قاسية: أم مريضة بالتدرن، وأب بحار غائب، وأسرة مفككة لا تملك من أمرها شيئًا. تبدأ الحكاية بولادة متعسرة، تضطر الأم خلالها إلى اللجوء إلى ماري بعد أن خذلتها أقرب النساء إليها، في مشهد يكشف عن جانب مظلم من العلاقات الاجتماعية. ومع تعقّد الحالة، تُنقل الأم إلى المستشفى، حيث تضع طفلها بعد معاناة طويلة، لتبدأ رحلة أخرى من الألم، إذ تُحجز بسبب مرضها، ويُترك الطفل لمصيره.

هنا تتدخل ماري، فتحتضن الطفل وتمنحه ما حُرم منه من رعاية وحنان، لكنها سرعان ما تضطر إلى السفر خارج البلاد في دورة تمريضية، فتبحث له عن ملاذ آخر. تتوالى بعد ذلك الأيدي التي ترعاه: خاله العاجز، جدته، ثم امرأة مرضعة تتكفل به، في سلسلة من التحولات التي تعكس هشاشة الواقع الاجتماعي، لكنها تكشف أيضًا عن حضور القيم الإنسانية في أكثر اللحظات قسوة. وعندما تعود ماري، تكتشف أن الأم قد شُفيت، ليتمّ اللقاء في مشهد إنساني مؤثر، تستعيد فيه الأم طفلها بعد أن كادت تفقده إلى الأبد.

ولا يقف السرد عند هذا الحد، بل يتشعب ليتابع مسيرة الطفل— الذي سيُعرف لاحقًا باسم “فوزي”— في مراحل حياته المختلفة. إذ ينشأ في بيئة مضطربة، بين أم تعاني من قسوة الحياة، وأب غائب أو منشغل، ما يجعله عرضة لتجارب مبكرة قاسية، تتراوح بين الحرمان العاطفي والارتباك النفسي. ويعرض الكاتب هذه التجارب بجرأة لافتة، كاشفًا عن مناطق مسكوت عنها في المجتمع، خاصة ما يتعلق بالوعي الجنسي المشوّه، وسوء التربية، واستغلال البراءة.

حادثة الختان

ومن أبرز هذه المشاهد تلك الحادثة التي يتعرض لها فوزي في طفولته، حين يجد نفسه في موقف ملتبس مع امرأة أرملة، في لحظة تختلط فيها البراءة بالرغبة، ويكشف الكاتب من خلالها عن اختلالات عميقة في البنية النفسية والاجتماعية. كما يتناول حادثة الختان، وما يرافقها من خوف وقلق، ليجعل منها مدخلًا لنقاش أوسع حول العادات والتقاليد، وأثرها في تشكيل وعي الفرد.

وتتواصل الأحداث لتشمل وقائع أكثر قسوة، مثل حادثة اغتصاب طفل، وما يقابلها من “عدالة عشائرية” تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، في مشهد صادم يعكس طبيعة التفكير الجمعي في بعض البيئات، ويطرح تساؤلات عميقة حول مفهوم العدالة.

وفي موازاة ذلك، يقدّم الكاتب وصفًا تفصيليًا للبيئة العراقية، لا يقتصر على المكان بوصفه إطارًا للأحداث، بل يتجاوزه ليصبح عنصرًا فاعلا في تشكيل السرد. فالبيت، والشارع، والسوق، والسينما، كلها تحضر بتفاصيل دقيقة، تمنح الرواية بعدًا توثيقيًا، يجعلها أشبه بسجل حيّ لمرحلة زمنية بكل ما فيها من تحولات.

وتتداخل في الرواية مشاهد الحياة اليومية مع التحولات النفسية للشخصيات، كما في تجربة فوزي مع السينما، حين يشاهد فيلمًا عاطفيًا، فتستيقظ في داخله مشاعر مبهمة، تعيده إلى تجاربه السابقة، وتكشف عن أثر الذاكرة في تشكيل الحاضر. وتتطور هذه التجربة من خلال علاقته بجارته “كريمة”، التي تمثل بدورها نموذجًا آخر للإنسان الباحث عن إشباع عاطفي في بيئة مكبوتة، لتنشأ بينهما علاقة ملتبسة، تتراوح بين البراءة والرغبة، وتنتهي بالفشل نتيجة جهل فوزي وخوفه، ما يعكس عمق الأزمة النفسية التي يعيشها.

ومع تقدم الزمن، يدخل فوزي مرحلة جديدة من حياته: يكمل دراسته، يعمل، يتزوج، لكنه يظل أسير صراعاته الداخلية والخارجية. تتفاقم هذه الصراعات مع دخوله الخدمة العسكرية، التي لا ينسجم معها، فيحاول الهروب، ليجد نفسه في مواجهة القانون، فيُسجن، ثم يُعاد إلى الخدمة. وتأتي الحرب لتضيف بعدًا آخر من المأساة، حيث تتكثف الخسارات، ويتعمق الشعور بالاغتراب.


مشاهدات 43
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/04/08 - 3:58 PM
آخر تحديث 2026/04/09 - 2:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 97 الشهر 6970 الكلي 15225043
الوقت الآن
الخميس 2026/4/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير