إرتقاء الإنسجام السريالي في النصّ الحديث
علاء حمد
من أولى مبادرات الانسجام في المنظور السريالي، إعطاء الذات حقيقتها الانطلاقية، أي ترخيصها وعدم الوقوف أمام تحولاتها من اليومي إلى الأحلام المتباعدة، ومن هنا تظهر حقيقة العمل الباطني والمكبوتات، من تصورات عديدة لاحصر لها، وقد يكون تكتل هذه التصورات نتيجة تراكمات حياتية بعيدة المدى بدأت من التحركات الأولى في الشعرية، وكنتائج عديدة بدأت بالظهور وبدأ الوعي الذاتي أيضا من خلال اللاوعي، لتصبح لدينا حالات مفتوحة همّها الاتجاه السريالي وكيفية العمل تحت خيمة هذا المنظور، ولكن الإعاقات التي تعيق مثل هذه الأعمال هي سيطرة اليومي التقليدي على العقل الشعري، فتموت الذات لحظة نشوتها وتعود ثانية حالة من النشاط المتجدد لأسباب عديدة ومنها حريتها وعدم تكبيلها، انفتاحها نحو العالم وعدم حصرها باليومي والمحلي والتقليدي المكرر.
لعلّ الأسباب التي تجعل السريالية على مساس دائم مع الشاعر، عفوية الكتابة والاستهزاء من المنظور المباشر الذي يحوي على عادات يومية تقليدية غير قابلة للتجدد، ويحدث أن تبدأ دعوات الشكوك بهذه الصيرورة المفروضة على الكثيرين، لذلك ترى السريالية في تصادق مع مقام عالم غير مطروق، عالم يعتمد العمل المخفي لإظاهره عن طريق الشعرية، وهي تؤمن بما وراء الواقع وتعتبر أمراض العصر من الواقع المهيمن على الجميع بشكل يومي.
سنتطرق إلى التحرر بأنواعه لكي نقيم بعض العلاقات المهمة بين المنظور الفلسفي وميزته اليومية وبين بعض تقنياتها في العمل الطبيعي الآلي:
التحرر الذاتي: العلة الكامنة في الذات هو تخليها عن السائد المتطابق مع الحياة اليومية، لذلك تحرر الذات من أولى الأعمال المتواصلة والابتعاد عن الرقيب الذي يكبّل الأعمال، وإن كان هذا الرقيب، الرقيب الذاتي المهيمن، أو رقيب السلطة الذي يفرض قناعته على التطورات التي تحصل، وهي من أخطر المواجهات التي تواجهها السريالية، وتعمل على تحرر البيئة الذاتية.
تحطيم الذات
لا يستطيع الشاعر السريالي بلوغ السريالية قبل تحطيم ذاته وتحررها من السيطرة والرقابة؛ لذلك فالذات تمتلك التأمل الكوني، وهي تصنع لحالتها عالما خارج المنظور الواقعي، وهو عالم التحرر الذاتي من كلّ إعاقة قد تواجهها.
تحرر الرقيب : تصبح كتابة الشاعر السريالي قوة لنفي الرقيب السلطوي والمبادرة على تغيير الذات الاعتيادية التي تشكل حاجزا للتحرر؛ أي أن يُخرج الشاعر الجمرة من بين الرماد. فيظهر العمل التلقائي والآلية الكتابية التي تكون مطلقة، لأنّها حرة غير سلطوية وغير تابعة لأية آيدولوجية أو فئة تُذكر، لذلك يكون التحرر شمولياً وليس جزئياً، فالعمل السريالي يصبح الاب الروحي للشاعر (مَثل الصور السريالية كمثل صور الأفيون التي لايعود الإنسان يستحضرها « يقول بودلير: بل تأتيه من ذاته، تلقائية طاغية. إنّه لايستطيع صرفها، إذ تغدو الإرادة لاقوة فيها ولا سيطرة لها على القوى. - بيانات السريالية – ص 55 – أندريه بريتون – ترجمة: صلاح برمدا ).
تحرر الرؤية: قد تكون الرؤية الخيالية مكبلة نتيجة عوامل بيئية مُحاكة من قبل الآخر، وقد تكون شبه غائبة، نتيجة تراكمات من الضيق الخارجي، حيث أنها تؤثر على رؤية الشاعر وتكبل حركتها وخصوصا في الأماكن التي يرصدها أو بيئته التي ينتمي إليها، فالتحرر الذي ندعو إليه كتحرر السجين من سجانه، وعندما يطالب الشاعر بطموحاته وعدم الالتزام بأيدلوجية معينة تحدد له رؤيته، فالحرية والهدوء النفسي من متطلبات الكتابة اليومية ومن متطلبات توجيهات الشاعر التقنية، وحتى النوعية؛ فلا أحكام غازية للعقلية الشعرية التي ترغب أن تسبح على سطح بحيرة من التحرر والتنفس الطبيعي؛ لذلك كلّ تصور ذاتي يستمد رؤاه من فعل المتخيل. حيث أننا بواقع يتوافق به اللاعقلي لذلك يتجاوز الشاعر المألوف ويحوله إلى اللامألوف وهي حكمة العمل السريالي في المنظور القصائدي.
التحرر النفسي: مسألة التحرر النفسي، إطلاق الذات المتحررة وإعطاء قيمة تصويرية للأحلام التي تنتاب النفس، تلك الأحلام العالقة والتي لا تتشابه مع بعضها، لذلك الخروج من الأعراف والابتعاد عن المألوف خير ناصية للتحرر النفسي ( السريالي يمارس إرادته لتحرير نفسه من الأشياء المألوفة التي تحيط به، ولتحرير الإنسان من الأعراف الاجتماعية ومن النزعة العقلانية ومن جميع أشكال الروابط التي يفرضها عالم منفعي. السريالي يدعو إلى التمرّد ضدّ الواقع، ضدّ قيود العادة والامتثال ويدعو إلى الإطاحة بكلّ القيود المسلّم بها. - السريالية في عيون المرايا – ص 77 – ترجمة وإعداد : أمين صالح ). ومن خلال هذه الدعوة إلى الحرية نلاحظ أن هيمنة العشيرة في الدول المتأخرة مازالت سارية المفعول، وهناك التسلط العائلي أيضا وتسلط الواقع المتخلف الذي يواجه الشاعر بشكل يومي؛ ويكون للسريالي الدوافع العميقة لنداء الحبّ والأمل والتأمل وإزالة كلّ ما يعيق حريته النفسية لكي يستطيع أن يكون ولو بشكل جزئي برغبة فاعلة للكتابة وترجمة الأحلام.
النسق السائد
إنّ النسق السائد في اللوائح السريالية، هو فعل المتخيل والتخييل والخيال، وكذلك اللاشعور، ويكون للتلقائية المساحة الأوفر في قرار الاقتراب من التقنية السريالية، وهو القرار الصائب بالتغلغل في عماد النصّ والاندماج بين عناصره، فطالما للتصورات التي تزرعها الذات الحقيقية لها الفضاء الخاص من ناحية المفهوم النصّي، فالذي يعوم أمامنا الثقافة السريالية ومستلزماتها المنظورة؛ وأولى تلك المستلزمات عنصر الرغبة كما وصفها فرويد بأنها : العنصر الخارق الذي يحتفظ بتأثيره وقوة جاذبيته.
لقد بات من الضروري إزالة الأنساق التقليدية والتي نعتبرها من المسميات المتداولة وفيها يظهر التكرار الذي لا ضرورة له، علما أنّ الشعرية تتحمّل جميع الخصائص المنسوبة إليها، ولكن ليس لجميع هذه الخصائص ذروتها في سلطة النصّ الجديد. ومن هنا نطرق بعض الأنساق ضمن المنظور الفلسفي؛ وهي المجاورات والروابط الفعالة والتي لها الأثر الديناميكي مع فعل الإثارة، باعتبار أنّ فعل الإثارة أحد الأنساق المثيرة للجدل والذي يساعد على التبادلات مع العناصر المنشّطة للنصّ الحديث.
ينفصل النسق عن العالم الخارجي، فالمعيشة التي تراودنا معيشة بيتية – داخلية، إلا في حالة بعض العلاقات التي تطلّ على الشاعر من خلال النافذة التنفسية، فتكون تجربة الدواخل، تجربة نفيسة وهي تحمل مبدأ الـ « أنا « أيضا، وقد تكون الـ « أنا « داخلية وقد تكون خارجية، ونسبة الخارجية نسبة ضئيلة، ومن هنا نستطيع القول بأن القوة الداخلية للعمل النصّي وضمن المنظور السريالي لها القوة وتتفاعل مع العناصر الذاتية والعقلية؛ وتنعكس هذه المهام على قوة النصّ الشعري أيضا، وما العلاقات المُعلنة إلا علاقات مفروضة من قبل الذات الحقيقية التي رغبت بالتحوّل.
إعادة التشكيل
من الظواهر التي تواجهنا التقنية السائدة والتقنية التقليدية، وهما أداتان في صراع بينهما، ولكن بما أننا نؤمن بالهدم والبناء، فعملية الحصول على تقنية وتشكيلات جديدة للنصّ الحديث من القدرات المهيمنة التي يمارسها الشاعر، وفقدان العقل المنظم وتحويله إلى عقلية شعرية؛ يعتبر من المهام التي تستجمع كلّ شيء رأته العين، وكلّ شيء سمعته الأذن، ومن خلال هذا المنطق نلاحظ أنّ هناك خزائن عديدة تستجمع حالاتها لأجل نصّ من طراز آخر، ويبقى مبدأ الاختلاف وإن كان سهلا ضمن السياق المتواصل للغة؛ وتكون اللغة عادة والمتجمعة بصيغتها المؤهلة تأخذ طبيعتها الشعرية ( تذهب اللسانيات الإدراكية على أنّ اللغة ليست نتاج بنى خاصة في الدماغ، وإنما هي نتاج كفاية إدراكية عامة يستعملها البشر في تفكيرهم؛ من أجل وضع تصورات لكلّ جوانب الواقع وتجربتهم فيه. وقد أثمر ذلك لفتا للنظر إلى طريقة فحص العلاقة بين اللغة في الاستعمال الأدبي واللغة في الاستعمال التواصلي المعتاد، وكذلك فحص ظواهر لغوية معينة مثل اللغة التخييلية التي لم تعد تُفحص على أنها نتاج آليات خاصة، أو أنها تنبع من موهبة إدراكية مقصورة على مبدعي الأدب. - مجلة فصول – الإدراكيات - العدد 100 – ص 142 – لارزيا بيليخوفا « أستاذ العلوم الفيلولوجية، جامعة كيرسون، أوكرانيا» ترجمة وتقديم: محي الدين محسب ). نستنتج من خلال ذلك، على أن للنصّ ثقله الشعري وهو يقودنا إلى اتجاهات متعددة ومنها الاتجاه السريالي، ويعد هذا الاتجاه ليس برسالة؛ وإنما رسم من القلق المتجدد يريد منه الشاعر أن يذوب خارج المألوف. ومن رغبات الباث الحقيقية التي أن يتم بها ترسيم الأحلام، حيث أنها الوحيدة التي تقضي على هذا القلق، وتقودنا إلى فلسفة داخلية ما أن خرجت حتى أنها أعلنت استقلالها، فالاستقلال النصّي مطلب من مطالب العمل الأدبي لكي يحمل أسلوبية غير متكررة، لذلك تكون اللغة التخييلية من العناصر النصّية، وفي نفس الوقت نلاحظ أن الانحدار التصويري الذي يواجهنا، ينحدر من لغة عليا، فتكون الوحدات اللغوية المطلقة ذات تشكيلات جديدة لها خصوصيتها وعلاقاتها مع عناصر النصّ الشعري. في بعض الأحيان ننفي موضوع القصدية في المنظور النصّي الجديد، والعلاقة التي نعنيها هي العلاقات القصدية التي تظهر خارج الشعور، أي أن ينهض العقل الباطني ليكون ذا علاقة مع العقلية الشعرية لتكوين اتحاد لمساحة مشتركة بينهما، حيث أن السريالية هي التي تدفع الشاعر إلى أن يكون ضمن هذه المساحة، وهي من متطلبات اللا محدود في العمل السريالي.