مجلس الأم.. حين تتحوّل الشرعية الدولية إلى أداة إنتقائية
حيدر جاسب عربي
لم يعد مجلس الأمن الدولي اليوم ، في نظر كثير من المتابعين ضامناً للسلم و الأمن الدوليين ، بقدر ما أصبح ساحةً لتصفية الحسابات السياسية بين القوى الكبرى .
فالمؤسسة التي أُنشئت بموجب منظمة الأمم المتحدة لحماية العالم من ويلات الحروب ، تحولت تدريجياً إلى أداة إنتقائية تُفعَّل فيها النصوص القانونية حين تخدم مصالح معينة ، و تُعطَّل حين تتعارض معها .
إن أخــــــطر ما يواجه النظام الدولي ليس غياب القواعد ، بل إساءة إستخدامها .
فـميثاق الأمم المتحدة وضع إطاراً واضحاً لحظر أستخدام القوة في العلاقات الدولية ، ونص في المادة (2/4) على مبدأ لا يقبل التأويل أو الإنتقائية .
و مع ذلك نشهد اليوم خروقات متكررة لهذا المبدأ ، لا تقابلها إلا مواقف خجولة أو صمت مقصود ، و كأن القانون الدولي لم يعد سوى نصٍ يُقرأ ولا يُطبَّق . في الشرق الأوسط .. تتجلى هذه المفارقة بشكل صارخ ، إعتداءات عسكرية واضحة ، و أنتهاكات لسيادة الدول و عمليات عابرة للحدود تُنفَّذ دون تفويض دولي ، و مع ذلك لا يتحرك المجلس إلا ضمن حدود مرسومة سياسياً .
بل إن بعض هذه الإنتهاكات تمر دون إدانة حقيقية ، في حين تُضخَّم أحداث أخرى و تُحال سريعاً إلى مسارات المساءلة ، وفق ميزان لا يستند إلى القانون بقدر ما يستند إلى موازين القوة .
موقف قانوني
إن أستخدام حق النقض (الفيتو) لم يعد مجرد آلية إجرائية ، بل أصبح وسيلة لتعطيل العدالة الدولية .
فكلما أقترب المجلس من إتخاذ موقف قانوني متوازن ، يتدخل الفيتو ليعيد توجيه البوصلة نحو مصالح الدول النافذة .
و بهذا تتحول الشرعية الدولية من إطار جامع إلى أداة إحتكار ، تُستخدم لحماية الحلفاء و معاقبة الخصوم .
الأخطر من ذلك .. أن هذا الواقع لا يمر دون آثار ، فالدول التي ترى القانون يُطبَّق بإنتقائية ، لن تجد سبباً لاحترامه .
و الفاعلون الدوليون حين يدركون غيـــــاب الردع ، لن يترددوا في إنتهاك القواعد . وهنا لانتحدث فقط عن أزمة مجلس ، بل عن أزمة نظام دولي بأكمله ، تتآكل فيه الثقة .. و تُستبدل فيه القواعد بالصفقات .
إن أستمرار هذا النهج يضع مجلس الأمن الدولي أمام إختيار وجودي : إما أن يستعيد دوره كحارس للشرعية الدولية ، أو أن يتحول إلى كيان فاقد للمصداقية ، يُنظر إليه بأعتباره جزءاً من المشكلة لا من الحل .
فالمسألة لم تعد تتعلق بإصلاح إجرائي هنا أو هناك ، بل بإعادة تعريف وظيفة المجلس في عالم تتزايد فيه الأزمات ، و تتعاظم فيه الحاجة إلى عدالة دولية حقيقية . إن القانون الدولي لا يُقاس بجمال نصوصه ، بل بقدرة المجتمع الدولي على فرضه دون تمييز ، وأي نظام يسمح بأزدواجية المعايير ، إنما يفتح الباب أمام فوضى قانونية مقنّعة ، تُدار باسم الشرعية .. بينما هي في جوهرها خروج عليها و بين نصوص تُنتهك و قرارات تُسيّس ، يبقى السؤال معلقاً : هل ما زال العالم محكوماً بالقانون أم أنه عاد إلى شريعة القوة بثوبٍ دولي ..!!؟؟