الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بَيْن صَفَعات الظُّلْم وآمال الفرج

بواسطة azzaman

بَيْن صَفَعات الظُّلْم وآمال الفرج

 محمد خضير الانباري

 

 

في بلدةٍ صغيرةٍ تفوحُ منها رائحةَ الحكاياتِ القديمة، عاشَ رجلٌ طيبٌ ومحترمٌ ينتمي إلى عائلةٍ عريقة، ولكنَ تقلباتِ الحياةِ وقسوةِ الأيامِ أثقلتْ كاهله، فصارَ حزينا صامتا أمامَ ما يلاقيهُ منْ ظلمٍ كانَ يسكنُ بينَ جارين، كلٌ واحدٌ منهما أشدَ سوءا منْ الآخر، وكأنهما صورتانِ لبلاءٍ واحدٍ لا يعرفانِ الرحمة. لمْ يكنْ أحدٌ منْ أهلِ الحيِ يجرؤُ على مواجهتهما، إذْ ذاعَ صيتهما بالقسوةِ وسوءِ الطبعِ وسرعةِ الإيذاء، حتى أصبحتْ الأزقةُ ترددَ اسميهما همسا، يغلفهُ الخوفُ والقلق.

  ورغمَ تلك الظلال، يلوحَ في الأفقِ شعاع ضئيلٍ منْ الأمل، يعدهُ بأنَ الفرجَ قدْ يأتي يوما ، يكونُ فيهِ الحقُ أقوى منْ الباطل، وكما يقولُ المثلُ الشعبي قد وقع صاحبنا: بينَ حانةٍ ومكانة، فهو يعيشُ في حالةٍ منْ الترددِ أوْ الصراعِ بينَ خيارينِ مغريينِ أوْ صعبين، لا يختارُ هذا الخيارِ ولا يبتعدُ عنْ ذاك، وكأنهُ عالقٌ بينَ طرفينِ متناقضين، فألحانهُ ترمزُ إلى الملذاتِ والمتعِ الدنيوية، بينما الأمانةُ تمثلُ خيارا آخر جذابا، لكنهُ ليسَ بالضرورةِ أفضل.

   في النهاية، وجد نفسهُ محاصرا، غيرَ قادرٍ على اتخاذِ قرارٍ واضحٍ أوْ الخروجِ منْ المأزقِ الذي فيه، فكلا الخيارينِ يحملانِ لهُ الأذى، لكنهُ لا يستطيعُ الابتعادُ عنهما، لأنهُ متأثرٌ داخليٌ بسمومِ متجذرةٍ مرتبطةٍ بكليهما.

  وهكذا، يمضي الرجل- كلُ مساء- مطأطئ الرأس، يجوبَ شوارعَ المدينة، كمنَ يبحثُ عنْ شيءٍ مفقودٍ في داخلهِ يمرُ على المقاهي، يجلسَ بينَ روادها، ويخفي في قلبهِ حكاياتٍ تثقلُ كاهله، يتوقَ إلى البوحِ بها، لكنَ لسانهُ يعجزُ عنْ إطلاقها، خوفا منْ أشرارِ المدينةِ وأشقيائها. كأنهُ يحملُ على كتفيهِ عبءَ العالمِ بأسره.

   لقدْ تحملُ أذى جيرانهِ مرارا بلا سبب، فكلما خطتْ خطوةً تلقى صفعةً منْ اليمين، يلتفتَ مذهولا، فتفاجئهُ أخرى أقسى منْ اليسار. لمْ يكنْ يملكُ ردا، ولا حتى رفاهيةِ الغضب، ومعَ ذلكَ لمْ ينكسرْ ولمْ يركع. ظلٌ يسايرهمْ ويجاملُ قسوتهم، حتى امتلأَ قلبهُ بالمراوغةِ والنفاق؛ نفاق لمْ يختره، بلْ اضطرَ إليهِ حمايةٌ لعائلتهِ وصونا لمنْ يحب.  فقد صاغَ صبرهُ العميقُ وإيمانهُ الراسخُ باللهِ سبحانهُ وتعالى، يقينا لا يتزعزعُ في قلبه، بأنَ الظلمَ مهمٌ امتدَ أمدهُ فلنْ يدوم، وأنَ الفرجَ آتٍ لا محالةً منْ ربِ العالمين، وكانَ يستمدُ منْ تعلقهِ بربهِ قوةَ تحولِ آلامهِ إلى نورٍ يهديهُ نحوَ الطمأنينةِ والراحة، مؤمنا أنَ بعدَ كلِ ليلٍ طويلٍ فجرا مشرقا لا بدَ منْ أنْ يطلع. كما في قولهُ سبحانهُ وتعالى: ( ومنْ يتقِ اللهَ يجعلْ لهُ مخرجا، ويرزقهُ منْ حيثُ لا يحتسب) سورةَ الطلاق: الآية: 2- 3.

    تعودَ على الصمتُ درعهُ الوحيد، والاحتمالُ سلاحهُ الباهتَ، كمُ لعنِ الزمنِ في سره، وكمْ تساءل: كيفَ آلَ بهِ المقامُ إلى هذا الذل، وهوَ سليلُ بيتٍ كانَ يوما منْ عليهِ القوم؟ لكنَ أمجادَ الأجداد، كما أدركَ متأخرا، لا تقي حفيدا منْ مهانةِ الحاضرِ وأزلامه، ولا تمحو آثارَ الأخطاءِ القديمةِ منْ انكسار.

     لمْ يكنْ قادرا على الرحيل، فهذهِ الأرضُ جذورهُ وهذهِ الدارُ ذاكرته. وكلما ضاقتْ بهِ السبل، رفعُ يديهِ إلى السماءِ يناجي ربهُ بصوتٍ خافت: أنْ ينقذه، أنْ يبدلَ حالة، أو- على الأقل- أنْ يكفَ عنهُ أذى هذينِ الجارينِ اللذينِ لا يرقبانِ فيهِ إلا ولا ذمة. ومضتْ الأيام، والرجلُ يرزحُ بينَ صبرِ مرٍ وأملَ واهن، يتشبثَ بخيطٍ رفيعٍ منْ الرجاءِ لعلهُ ينجو منْ عبودية، فرضتْ عليهِ قسرا وعدوانا وظلما.

   ظلُ الحالِ على ما هوَ عليه، لفترة من الزمن، حتى وقعَ ما لمْ يكنْ في الحسبان؛ إذْ اشتعلتْ النيرانُ الملتهبةُ بينَ الجارينِ المشؤومين، فانقلبَ الصمتُ الثقيلُ إلى ضجيجٍ يمزقُ سكونَ القرية، وصارَ كلُ منهما يسقي الآخرُ منْ الكأسِ ذاتها التي طالما أذاقها لغيره. وحينُ اطلعَ أهلَ القريةِ على ما جرى، أبصروا آثارُ الشر، وقدْ تفشتْ بينَ الجارين الشريرين، ورأوا كيفَ أرتدي بعضُ ما اقترفاهُ منْ ظلمٍ وعدوانٍ عليهما. فاكتفوا بما بدا لهمْ منْ بوادرِ الإنهاك، ورضوا بهِ على أملٍ أنَ يستنزفهما النزاع حتى النهاية، فتبرأَ أهل البلدة منْ شرورهما، وتنجو منْ سمومهما الصفراءِ التي طالَ أذاها. وهنا تجلتْ الحكمةُ الإلهيةُ في قولهِ سبحانهُ وتعالى: " وما رميتْ إذْ رميتْ ولكنَ اللهَ رميَ " الأنفال، الآية: 17.

     بعدما جرى منْ أحداثٍ متلاحقةٍ للجارينَ وما آلتْ الأمورُ بينهما، لمْ يعدْ ذلكَ المشهدِ منفصلاً عما سبقه، بلْ بدا وكأنهُ نتيجةٍ حتميةٍ لما تراكمَ في الخفاءِ وقفَ الرجلِ على عتبةِ داره، كما لوْ أنهُ يقفُ على الحدِ الفاصلِ بينَ ماضٍ كانَ يظنهُ آمنا، وحاضرا بدأَ يكشفُ لهُ هشاشته. أدارَ بصرهُ يمينا ويسارا، وقلبهُ يتأرجحُ بينَ خوفٍ يتسللُ إليهِ بصمت، ودهشةٌ لمْ يستطعْ إنكارها، بعدما أدركَ أنَ موقفهُ لمْ يكنْ بريئا تماما كما كانَ يقنعُ نفسه.

   تسللٌ إلى داخلهِ شعورٌ خفيٌ بالراحةِ والفرحِ والطمأنينية، واستجابةُ القادرِ القديرِ لدعائهِ اليومي، امتزجتْ رؤياهُ بشيءٍ منْ الشماتة، التي حاولَ أنْ يواريها حتى عنْ نفسه. قالَ في سره: لعلهما يتعظان، لعلَ الألمَ الذي زرعاهُ في مدينتنا يعودُ إليهما، فيفهمانِ ما لمْ يفهماهُ منْ قبل. غيرَ أنَ النارَ التي اشتعلتْ بينهما لمْ تبقَ حبيسةً حدودهما، بلْ راحتْ تقتربُ شيئا فشيئا، كأنها لا تفرقُ بينَ منْ أشعلها ومنْ اكتفى بالمراقبة. حينها، لمْ يجدْ ما يتمسكُ بهِ سوى الدعاء، يرددهُ بإيمانٍ مثقل، مستندا إلى يقينٍ يحاولُ أنْ يرممَ بهِ اضطرابهُ في قولهِ سبحانهُ وتعالى: (وعسى أنْ تكرهوا شيئا وهوَ خيرٌ لكم) سورةُ البقرة، الآية: 216، ومعَ تكرارِ الكلمات، بدأَ يدركُ أنَ المصائبَ لا تصيبُ الإنسانَ دائما بشكلٍ مباشر، بلْ قدْ تحيطُ به، وتفرضَ عليهِ صبرا لمْ يختره، وتضعهُ في مواجهةِ نتائجَ لمْ يكنْ طرفٌ ظاهرٌ فيها.

 

لمْ يخلْ الأمرُ منْ بصيصِ معنى؛ فربما كانتْ تلكَ الفوضى تحملُ في طياتها خلاصا مؤجلا، أوْ عدلاً يتأخر، لنهايةَ الطاغيين، لكنهُ لا يضيعُ ظلا واقفا في مكانه، عالقا بينَ خوفِ امتدادِ الشرِ إليه، ورجاءُ أنْ تخمدَ تلكَ المعركةِ قبلَ أنْ تمسهُ أكثرَ كانَ يعلمُ أنَ ضعفهُ لمْ يتبدل، لكنَ ما حولهُ بدأَ يتصدع، وكأنَ موازينَ القوى التي طالما أثقلتْ كاهلهُ أخذتْ تميلُ ببطء- ولأولِ مرة- منذُ زمنٍ طويل، تسللٌ إلى قلبهِ إحساس خافت، لكنهُ صادق: إنَ الليل، مهم اشتدَ سواده، لا بدَ منْ أنْ يفسحَ الطريقُ لفجرٍ قادم. وربما قادمٍ الأيامِ فيها سعاةٌ لأهلِ البلدةِ بعدَ ضعفتْ وخرتْ قوى الشريرين، وإتعضا منْ ظلمهما للآخرينَ منْ عبادِ الله- سبحانهُ وتعالى.


مشاهدات 65
الكاتب  محمد خضير الانباري
أضيف 2026/04/06 - 3:21 PM
آخر تحديث 2026/04/07 - 1:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 52 الشهر 5084 الكلي 15223157
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير