تطواف الغريب (14)
حسن النواب
كفى غمَّاً وهمـَّاً ودمعاً وآهات وأحزان؛ هكذا كان يخبرني صديقي رئيس التحرير بين حين وآخر لما تصلهُ مقالتي، ولكن ربما يكون هذا المقال هو نهاية المطاف من قاموس الدموع الذي يصطخب في مجاهل صدري، حين أكتب اليوم عن الفيلم الثالث الذي أثَّرَ في حياتي؛ بعد فيلمي أم الهند والفراشة؛ والفيلم الثالث هو passion )آلام المسيح(
. سنحت لي مشاهدة هذا الفيلم قبل أكثر من عشرين عاماً برفقة سيدة أسترالية مؤمنة تحرص على قراءة الإنجيل كل يوم.
في الواقع أنا الذي دعوتها بيد أنَّ ثمن التذكرتين كانت من محفظتها لكسب الأجر والثواب.
دخلنا إِلى صالة السينما الفخمة هنا في مدينة بيرث وقد فوجئتُ أنَّ المقاعد تكاد تكون شبه فارغة؛ مع أنَّ فيلم آلام المسيح بأوجاعه حقق أعلى الإيرادات خلال أسبوعين من عرضه في بلدان أخرى؛ فأدركتُ أنَّ ماكينة الإعلام الإسرائيلية تمكَّنتْ من إيقاف زحف الناس لمشاهدة الفيلم هنا في أستراليا؛ بمحاولة يائسة لحجب حقيقة تصرفها الوحشي والدامي بحق المسيح «ع»؛ بالوقت الذي كان أحد الساسة العراقيين في ذلك الوقت؛ ممَّنْ شهيته التجارية متفتحة جداً؛ يستجمُّ في ربوع تل أبيب بذريعةِ درأ شبح الإرهاب عن البلاد، تصوروا؟! ومنذ اللقطة الأولى للفيلم هجست أنَّ عواطفي ستلج إِلى طقوس عاشوراء والتي لا فرار منها؛ صحيح أني قرأتُ الكتاب المقدس منذُ أمدٍ بعيد، حين أهداني نسخة منهُ أحد الأصدقاء المسيحيين في دراستي الجامعية وقد تأثرتُ بما جاء فيه، أصحح تأثَّرتُ بشعريته الإنسانية العالية، وقد استوقفتني في حينها عبارة للسيد المسيح يقول فيها: «لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا لآلئكَم أمام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم»؛ لكنَّ الذي يحدث أمامي على شاشة السينما، هو مجزرة لا أطيق متابعة أحداثها، تفاقم الدمع في دهاليز صدري وصرت أتنفس الهواء بصعوبة بينما سيدتي تردد همساً تراتيلها بحنان بالغ كأنَّها راهبة في كنيسة، وثمة دمع بتول يغسل خديها المتوردين، فجأةً أهدانا المخرج لقطة رومانسية تُخفِّف من أحزاننا؛ حين دارت الكاميرا بذكاء شفيف ورأينا المسيح منهمكاً بصنع طاولة خشبية وفي لقطة ساحرة راح يطشُّ الماء بحركة ملائكية على وجه أمه مريم العذراء، بعدها لم أتمالك نفسي؛ فالتعذيب السادي لجسد عيسى بن مريم وصل إلى ذروته وهو مكبل إِلى ساق شجرة مذبوح هو الآخر، حينها سرحتْ أفكاري إِلى معتقلات البلاد الرهيبة، والفرق أنَّ المسيح هنا ليس بوسعه حق اختيار أداة التعذيب؛ في حين كان المعتقلون هناك في سجن الرضوانية يختارون نوع السوط الذي سيجلد أجسادهم العارية من ذلك المشجب المرعب الذي تنوعت به وسائل ومعدَّات التعذيب؛ هكذا أخبرني صديقي الفنان ناظم فالح، وهو المخرج لبرنامج ستوديو التاسعة الذي ذاعت شهرته أواسط الثمانينيات؛ حينَ أمر الأرعن عدي بجلده في معتقل «الرضوانية» السيء الصيت.
كأنًّ دماء المسيح بدأتْ تسيلُ من شاشة السينما وصار يجري بين الكراسي؛ بلْ أسمع خريره وهو يصعد على صدري ويغرق رأسي بلجَّته ريثما صار بكائي عراقياً بمعنى الكلمة، أعني البكاء المصحوب بكلام مدغم ومختنق غير مفهوم؛ مرَّتْ فجيعة عاشوراء أمامي، مرَّتْ المقابر الجماعية، مرَّتْ جثث أصدقائي الجنود المضرجة بالدم والبارود في الخنادق وعلى السواتر الأمامية من الحرب؛ مرَّ جثمان أبي الذي لم تسنح لي فرصة رؤيته إلاَّ ملفوفاً بالكفن ساعة نزوله إِلى القبر؛ مرَّ صوت الطبول والصنوج؛ مرَّتْ رؤوس الأبرياء التي نُحرتْ بسيوف الإرهاب الصدئة؛ مرَّتْ أجساد المناضلين الذين صعدوا إِلى منصة الإعدام وهم يلعنون الطغاة، والأبرياء الذين ذابت أجسادهم بأحواض «التيزاب»، وتقلَّص قلبي واحتبس الهواء في صدري، فيما كان المسيح يكابد الألم ويجاهد ريثما يرفع صليبه إِلى قمة جبل الزيتون، مع كل خطوة منه كنت أفقد شيئا من جسدي، ها هو الآن أخيرا فوق الجبل بمعونة أحد الأنصار؛ بينما العذراء تحتضن قدميه السابحتين بالدماء ودمعتها السماوية مازالت طرية على يدي.
هذا فصلٌ من قاموس الدمع الذي أخزنهُ في ذاكرتي ومازال يتلظَّى في مسرى دمي. عسى أنَّ قابل الأيام تدعنا نكتب عن فرح وسلام رباني يدق أبواب البيوت في البلاد ويمحو من ذاكرتنا البكاء العراقي إلى الأبد. يا الله.. رفقاً بالبلاد.. يا رحيم.