بين يقين درجال وإلهام سورة يوسف
محمد خضير الانباري
تنبثقَ حكايةً تتجاوزُ مجردَ سردٍ رياضي، لتتحول إلى ملحمةٍ إنسانيةٍ يلتقي فيها الصبرُ بانتظارِ الفرج، حيثُ لكلِ لحظةٍ فيها صدى معنى وكلَ خطوةٍ فيها نبضُ أملٍ.
لقدْ جاءتْ سورةَ يوسف، بما تحملهُ منْ عمقٍ روحيٍ وجمالٍ قصصي، لوحةٌ مكتملةٌ للحياة؛ تبدأُ ببذرةِ حسدٍ صغيرة، سرعانَ ما تنمو لتغدوَ ظلما يلقى بصاحبهِ في غياهبِ البئر، ثمَ تمتدُ بهِ الرحلةُ إلى السجن، حيثُ لا يبقى للإنسانِ سوى يقينهِ بالله.
هناك، يتجلى الصبرُ في أبهى صورة، ويصبح الألمُ طريقا خفيا نحوَ التمكين. إنَ يوسف- عليهِ السلام- لمْ يكنْ مجردَ نبيٍ ابتلي، بلْ كانَ مثالاً للنقاءِ حينَ اشتدَ الإغراء، وللحكمةِ حين تعقدتْ الأقدار، حتى صارَ الفرجُ نتيجةً طبيعيةً لإيمانٍ لمْ يتزعزع.
منْ هذا المعنى العميق، يمكنَ أنْ نطلَ على واقعنا الرياضي العراقي، حيثُ عاشَ الشعبُ العراقيُ وخاصةَ محبي كرةِ القدمِ وما أكثرهمْ منْ شيبتهمْ إلى شبابهمْ وصغارهم، خلال العامينِ الماضيينِ رحلةَ المنتخبِ العراقيِ في تصفياتِ كأسِ العالمِ 2026 بأعصابِ مشدودة، وبرحلةِ لمِ تخلٍ منْ التعثر، ولا منْ النقد، ولا منْ الضغوطِ التي أطاحتْ بالمدربِ السابقِ (كأساسْ) ، وأثقلتْ كاهلَ اللاعبينَ والجماهير، كانَ الأداءُ متذبذبا، والأملُ يتأرجحُ بينَ الصعودِ والهبوط، حتى بدِ المشهدِ وكأنهُ اختبارٌ طويلٌ للصبر.
وسطَ ذلك ، برزَ صوتُ اليقينِ الذي حملهُ السيدُ عدنانْ درجال، وهوَ يزرعُ في النفوسِ إيمانا لا يتزعزعُ ، بأنَ النهايةَ ستكونُ مفرحةً معَ كلِ مباراة، نستلمُ منهُ المغذياتُ المهدئةُ والوعودُ المطمئنة ، لنستعيدُ دروسُ سورةِ يوسفْ المباركة، ونستحضرُ قولهُ تعالى: ( يوسفْ أيها الصديقُ آفتنا في سبعِ بقراتِ سمانْ يأكلهنَ سبعَ عجافِ وسبعِ سنبلاتِ خضرَ وآخر يابسات لعلي أرجعَ إلى الناسِ لعلهمْ يعلمون، قالَ تزرعونَ سبعُ سنينَ دأبا فما حصدتمْ فذروةٌ في سنبلهِ إلا قليلاً مما تأكلونَ ثمَ يأتي منْ بعدِ ذلكَ عامٌ فيهِ يغاثُ الناسُ وفيهِ يعصرون).
فكما بشرتْ الرؤيا بسنواتٍ منْ الشدةِ يعقبها عامُ منْ الغيثِ والرخاء، جاءَ تأهلُ الفريق العراقي للنهائيات في مكسيكو، ليكونَ ذلكَ العامِ المنتظر؛ عامُ الفرجِ الذي يغمرُ الناسُ بالفرحة، بعدُ طولِ انتظار . ليتحققَ الحلم، بعد تجاوزَ المنتخبِ كلَ العقباتِ، بالفوزِ الرائع على المنتخبِ البوليفيِ في ختامِ المشوار، لقد تجلى المشهدُ كملخصٍ لتلكَ الرحلة: فالصبرُ لمْ يكنْ مجردَ انتظار، بلْ ثباتٌ يحملُ في طياتهِ الأملَ ويؤتي ثمارهُ في وقتها المناسب.
ولنستذكر قول الشاعرِ الكبيرِ أحمدْ شوقي:
وما نيلُ المطالبِ بالتمني. . . ولكنْ تأخذُ الدنيا غلابا.
أنَ الأمانيَ وحدها لا تكفي لتحقيقِ الأهداف، بلْ يحتاجُ الأمرُ إلى العملِ والاجتهادِ والسعيِ المستمرِ لتحقيقِ ما نريد.
وهكذا، تلتقي القصةُ القرآنيةُ معَ واقعِ الحياةِ، لتؤكدَ درسا واحدا: بعدُ العسرِ يسرا، ومنْ يصبرُ ويثابر، يصلَ إلى مبتغاه.