أنفاس المحنة و شهيـق البارود
بغداد .. الرئة المنهكة في صراع المقدّس و المدنّس
مـوفق البياتي
في هذه البقعة من العالم لا تقاس قيمة الارض بما تنبت، بل بما تبتلع من دم حين تتصارع عليها الارادات البعيدة، هنا.. حيث تبدو بغداد جنة الدنيا، لكنها في الحقيقة ساحة اختبار مفتوحة للصراع ، فكلما عجزت القوى عن حسم خلافاتها في عواصمها ، جاءت لتكتب نهايتها المؤقتة على جسد العراق كان هذا منذ ان تعلم التاريخ كيف يمشي وهو يمر من هنا، لا ليقيم بل ليترك جراحه و يمشي .
بغداد لم تكن يوما مدينة عابرة في سجل التاريخ و الجغرافيا ، بل كانت و منذ ان انبثق اسمها من بين طيات الطين و التاريخ اشبه بمرآة مصقولة تعكس صراع الارادات الفاعلة ، حتى غدت الارض التي تقوم عليها ليست مجرد تراب يحتضن الحضارة فحسب ، بل صفحة مفتوحة تكتب عليها الحروب كلما عجزت القوى الاخرى عن كتابتها في عواصمها ، وكأن قدرآ خفيا قضى بان تكون هذه المدنية ومعها العراق مخزن البارود الذي تتبادل من فوقه القوى الاخرى سجائرها المشتعلة، حيث تصفى حسابات الاباطرة بختم بغدادي قديم .
فمنذ ان اصــــــــــطدمت جيوش الامبراطورية الفارسية بمد الجيوش الرومانية في العام 331 ق. م ، لم تكن ضفاف الفرات مجرد حدود فاصلة ، بل كانت حد السكين الذي تجرب عليه قوة الاطراف ، اذ لم تجد تلك الامبراطوريات ارضا اقدر على امتصاص الصدمة من ارض (غوغميلا ) الواقعة قرب الموصل وقت سقوط الامراطورية (الاخمينية ) العظيمة والى الابد، و بزوغ شمس العصر (الهيليني) الذي نقل الثقافة اليوناينة الى الشرق .
امبراطوريات قديمة
ولما كانت ارض العراق هذه قد الفت ان تكون ممرا لكل من يريد ان يعبر، وميدانا لكل من يريد ان يختبر سطوته، حتى تحولت الارض الى مختبر تطهو فيه الامبراطوريات القديمة فواجعها، وتختبر فوق ترابها صلاحية فتكها قبل ان تطلقه على العالم، فلقد تحطمت ها هنا في العراق ايضا، في العام 52 ق. م اسطورة روما امام (البارتيين) عندما اراد القائد الفاحش الثراء (كراسوس ) ان يذل الشرق فكانت (حران) تلك البقعة الضاربة في عمق الجزيرة الفراتية التي احالها الفرس الى مقبرة للفيالق، حين ابتلعت رمال (فارس) غطرسة الامبراطورية الغازية على ضفاف نهر الفرات وتخومه، فليس اقسى من قتل قائدها (كراسوس ) وصب الذهب المصهور في فمه سخرية منه ومن جشعه . وحين تبدلت الازمنة، وتغيرت الاسماء لم يتغير الدور، فها هو الصراع يعود مرة اخرى . ولكن في صورة جديدة ، فعندما كانت المدينة المنورة تعيش زهوها الايماني . وكانت الامبراطورية الساسانية امبراطورية لا تقهر ، كان العراق هو الموعد والقدر، فلم يكن الصراع الكبير في صحاري (نجد) و لا في جبال (فارس) الوعرة ، بل كانت في العراق ، فالعراق هو البوابة الوجودية التي لا يمكن السيطرة عليها الا من قبل من يمتلك مفاتيح الشرق و الغرب ، وهنا كانت الصدمة التي دوت في ازمنة التاريخ حين تهاوى العرش الساسوني في (المدائن) جنوب شرق العراق في لحظة كسرت صمت القرون، وليكتب الفصل الاول من سيادة الاسلام على انقاض اعظم امبراطوريات الزمان فوق اديم ارض السواد
ومع انبثاق العصر الحديث، لم تهدا الارض، بل تغيرت الوجوه فقط ، فلقد عادت المواجهة بين الشرق و الغرب في صورة جديدة . ففي اخدود بغداد الغارق تلاطمت امواج العثمانيين والصفويين بحلول العام 1508 م ، ولم تكن بغداد سوى الجائزة التي تنازعها الطرفان حتى انتهت باكتساح (اسماعيل الصفوي) بغداد منهيآ حكم دولة (الخروف الابيض) لتصبح بغداد ولايه صفوية لاول مرة في التاريخ . ثم لترزح ولاكثرمن قرنين متتاليين ساحة يتبادل فوقها العثمانيون والصفويون رسائل سيادتهم. ويوقعون بحد السيف معاداتهم التي لم تقراها سوى مقابرنا ، فتارة تسقط هنا ، وتارة تستعاد هناك ، وكأن هذه المدينة لا تملك حق البقاء لنفسها، بل تمنح مؤقتا لمن ينتصر حتى تستسلم لغيره .
الطربوش العثماني
وفي عام 1914 استبدلت بغداد الطربوش العثماني بخوذة انكليزية عندما انقضَ الانكليز على بقايا الميراث العثماني و حولوا دجلة والفرات الى ممرات لبارجاتهم التي جاءت لترسم حدود هذا البلد بالدم ولتؤكد نفوذها وفق خرائط لا تظهر كل ما تخفيه
وفي خريف عام 1980، استيقظ التاريخ مرة اخرى ليعيد كتابة رسائل الموت القديمة ، ثمان سنوات من الاشتباك الصفوي، حيث كان الموت فوق بغداد هو اللغة الوحيدة الصادقة وسط ضجيج الشعارات الكاذبة. فلم تكن هذه الحرب سوى مبارزة (هوليودية) ولكن بوجوه جديدة، وقودها و حبرها وماء اجيالنا . وحتى استعادت بغداد هيبتها الدموية لتكتب رسالتها الاثقل لا بالحبر هذه المرة بل بخوارزميات الدمار التي استباحت جسد الدولة وتركتنا ارقاما تائهة في (سيرفر) عملاق يبث رسائل الفوضى المنظمة الى العالم .
واليوم لم تعد بغداد مسرحا تتقاطع فيه المصالح فحسب بل فضاءً تتقاطع من حوله الارادات. حيث يدار الصراع بادوات غير التي نعرف، فهي حالة صراع مركَب تكتب فصولها على ارض العراق بهدوء ظاهري ، فيما تحمل في جوهرها تنازعا مستمرا على النفوذ واعادة تشكيل التوازنات غير انه في المحصلة الاخيرة والحقيقة التي لا تقال كثيرا . هي ان لا غالب في الحروب ، بل ناجون مؤقتون يدفعون كلفة البقاء ، اما نحن فنقف في المنتصف لا نملك الا ان ندفع الثمن . ونكتب الحكاية بمرارة من عاشها لا من رواها .