العراق بين محاور الصراع وإمكانات الاستقلال الاستراتيجي.. تحليل في الواقع الراهن واستشراف لمستقبل الدور الإقليمي
احمد قاسم المياحي
لا يخفى على الجميع ان العراق يمثل اليوم إحدى أكثر الساحات حساسية في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، نظرًا لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية على أرضه، وتداخُل أدواره بين كونه ساحة صراع وفاعلًا محتملًا في إعادة التوازن. فمنذ عام 2003، أصبح العراق محورًا لتجاذبات معقّدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية إيرانالاسلامية ، الأمر الذي انعكس على بنيته السياسية وأمنه الداخلي وموقعه في الخارطة العربية.
تتمثل الإشكالية الأساسية في قدرة العراق على التحوّل من موقع “التأثر” إلى موقع “التأثير”، أي من ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين إلى دولة تمتلك قرارها الاستراتيجي المستقل. ويُعدّ هذا التحول مرهونًا بجملة من العوامل، أبرزها: استقرار النظام السياسي، توحيد القرار الأمني، وإعادة بناء الاقتصاد الوطني بعيدًا عن الريعية المفرطة.
في الواقع الراهن، يظهر العراق في حالة “توازن هش” بين محورين رئيسيين: محور تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ويهدف إلى الحفاظ على نفوذ استراتيجي في المنطقة، ومحور آخر تقوده جمهورية إيران الاسلامية يسعى إلى ترسيخ عمق جيوسياسي يمتد عبر العراق نحو المشرق العربي. غير أن هذا التوازن لا يمكن فهمه بمعزل عن البعد الديني–الثقافي الذي يضفي خصوصية على العلاقة العراقية–الإيرانية، ويتجاوز حدود السياسة التقليدية.
فالعراق يحتضن أهم الحواضر الدينية الشيعية، وفي مقدمتها مدينتا النجف وكربلاء، اللتان تمثلان مركزًا روحيًا وعلميًا عابرًا للحدود. وترتبط هذه الحواضر بعلاقات تاريخية وعلمية عميقة مع الحوزات الدينية في قم داخل إيران، حيث يتبادل العلماء وطلبة العلوم الدينية التأثير والتفاعل منذ قرون. هذا الامتداد الديني أسهم في خلق نوع من “الترابط الناعم” الذي يعزز التقارب بين المجتمعين، ويمنح إيران بعدًا إضافيًا في حضورها داخل العراق، يتجاوز الأدوات السياسية والأمنية.
كما أن المناسبات الدينية الكبرى، مثل الزيارات المليونية، تعكس مستوى التداخل الشعبي والروحي بين البلدين، وتؤكد أن العلاقة ليست مجرد تحالف ظرفي، بل تمتلك جذورًا اجتماعية وثقافية عميقة. ومع ذلك، فإن هذا البعد الديني لا يُلغي وجود تباينات في الرؤى السياسية، خاصة فيما يتعلق بمفهوم الدولة الوطنية وحدود السيادة، وهو ما يجعل العلاقة مركّبة تجمع بين التقارب والاختلاف في آنٍ واحد.
مع ذلك، يمتلك العراق مقومات حقيقية لتحقيق قدر من الاستقلال الاستراتيجي. فموقعه الجغرافي يربط بين الخليج وبلاد الشام، وثرواته النفطية تمنحه أدوات اقتصادية مؤثرة، فضلًا عن عمقه الحضاري الذي يؤهله للعب دور وسطي في تهدئة الصراعات. وقد برزت في السنوات الأخيرة محاولات عراقية للانفتاح المتوازن على محيطه العربي، وإعادة تفعيل دوره في الإطار الإقليمي بوصفه “جسرًا” لا “ساحة”، مع الحفاظ على علاقاته المتعددة الاتجاهات.
إن استشراف مستقبل الدور الإقليمي للعراق يرتبط بثلاثة سيناريوهات محتملة:
الأول، استمرار الوضع القائم، حيث يبقى العراق ضمن دائرة التأثير المتبادل بين القوى الكبرى، دون قدرة حقيقية على الحسم.
الثاني، الانزلاق نحو أحد المحورين، بما يفقده توازنه ويجعله جزءًا من مشروع إقليمي محدد، سواء بدوافع سياسية أو تحت تأثير الروابط العميقة.
أما الثالث، وهو السيناريو الأمثل، فيتمثل في نجاح العراق في تبني سياسة خارجية متوازنة تستثمر حتى في عمقه الديني كقوة ناعمة، دون أن تتحول إلى أداة ارتهان، وذلك عبر تعزيز مفهوم الدولة ومؤسساتها.
في المحصلة، لا يمكن فهم مستقبل العراق بمعزل عن قدرته على إعادة تعريف موقعه الاستراتيجي، ليس فقط كدولة واقعة بين محاور الصراع، بل كفاعل قادر على إعادة صياغة قواعد التوازن في المنطقة. ويظل تحقيق الاستقلال الاستراتيجي هدفًا ممكنًا، لكنه يتطلب إرادة سياسية وطنية، ورؤية مؤسساتية طويلة الأمد، توازن بين العمق الديني والاعتبارات السيادية، وتضع مصلحة الدولة فوق اعتبارات الصراع والمحاور.