الصمت الكلوي وأزمة الإستدامة الصحية
عمار عبد الواحد
يعد ملف تفاقم إصابات الفشل الكلوي في العراق من أكثر القضايا الصحية إلحاحا وحرجا نظرا لتشابك العوامل المسببة له مع غياب الاستراتيجيات الوطنية الواضحة التي تواكب حجم الكارثة المتصاعدة حيث تشير المعطيات الميدانية إلى أن المرض لم يعد مقتصرا على فئات عمرية محددة بل بات يفتك بالأطفال والشباب وكبار السن على حد سواء دون تمييز. مما يضع المنظومة الطبية أمام تحد وجودي يتجاوز القدرة الاستيعابية لمراكز الغسل الكلوي الحالية التي تعاني أصلا من نقص حاد في الأجهزة والمستلزمات الطبية والكوادر التخصصية المؤهلة للتعامل مع الحالات المعقدة وإن هذا الانتشار المخيف الذي تدعمه تقارير دولية تحذر من تحول المرض إلى ظاهرة مجتمعية يستوجب وقفة استقصائية جادة حول مسبباته التي تتنوع ما بين تلوث مصادر المياه الجارية واعتماد المواطنين على مياه غير معالجة بشكل صحيح إضافة إلى العادات الغذائية غير الصحية وغياب الرقابة على الأدوية والمكملات التي تباع خارج الأطر الرسمية والتي تلعب دورا محوريا في تدمير وظائف الكلى بشكل صامت وتدريجي. ومع استمرار هذا النزيف الصحي يبرز التساؤل الجوهري حول دور الجهات التنفيذية والتشريعية في صياغة برامج وقائية استباقية بدلا من الاكتفاء بردود الأفعال العلاجية المكلفة والمجهدة لميزانية الدولة ولجيب المواطن البسيط الذي يجد نفسه مضطرا لانتظار دوره في طوابير طويلة أو اللجوء إلى القطاع الخاص بأسعار تفوق قدرته المادية بينما تغيب حملات التوعية الوطنية الكبرى التي تشرح مخاطر السكري وضغط الدم باعتبارهما الممهد الأول لهذا الفشل العضوي إن الحل لا يكمن فقط في زيادة عدد أجهزة الديلزة بل في إرساء منظومة متكاملة لوضع توجيهات و تعليمات قانونية و طبية لتقليل لمساعدة المتعففين منهم و تخفيف عنهم الألم الغسيل الذي ينهك جسد المريض ويعطل طاقته الإنتاجية في المجتمع.وختاما فإن معالجة أزمة الفشل الكلوي في العراق تتطلب انتقالة حقيقية من مرحلة التشخيص النظري إلى التنفيذ الميداني من خلال توفير الدعم المالي واللوجستي لوزارة الصحة وتفعيل الشراكات الدولية لضمان تحديث البروتوكولات العلاجية وحماية الأجيال القادمة من خطر بات يهدد الأمن الصحي القومي في الصميم