الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سياسة الصمت خوفاً على المقاعد

بواسطة azzaman

سياسة الصمت خوفاً على المقاعد

هدى زوين

 

في الأوطان الحيّة، حين يسقط الشهداء تهتزّ الدولة كلها، تتحرك مؤسساتها، وترتفع أصواتها دفاعًا عن كرامة من ضحّى بدمه. أمّا حين يصبح الصمت هو الموقف، فذلك يعني أن شيئًا عميقًا قد أصاب ضمير السياسة. صمتٌ ثقيل يخيّم على مشهد دموي، وكأن الدم لم يُسفك، وكأن الشهداء لم يكونوا أبناء هذا الوطن.

شهداء الحشد الشعبي لم يكونوا مجرد أسماء تُذكر في بيان عابر أو أرقام تُضاف إلى سجل الخسائر. كانوا رجالًا خرجوا من بيوت بسيطة، من أمهات حملن القلق في قلوبهن، ومن عائلات دفعت أغلى ما تملك دفاعًا عن الأرض والعقيدة والكرامة. لم يسألوا يومًا عن مكاسب ولا عن امتيازات، ولم ينتظروا مكافآت، بل ذهبوا إلى حيث كان الخطر، حين كان كثيرون يختبئون خلف الجدران السياسية والحسابات الضيقة.

كلفة الكلمة

لكن المفارقة المؤلمة أن من ضحّى بدمه لم يقابله موقف يوازي هذه التضحية. اكتفت الدولة بالصمت، وكأن الدم لا يستحق موقفًا، وكأن الشهادة خبر يمكن تجاوزه سريعًا. هنا يبرز السؤال الذي يطرحه الناس بمرارة: لماذا هذا الصمت؟ أهو خوف على المقاعد؟ أم خشية من موقف قد يزعج هذا الطرف أو ذاك؟ أم أن كلفة الكلمة أصبحت أثقل من كلفة الدم؟

إن المقاعد التي يجلس عليها بعض السياسيين لم تُصنع من فراغ، بل قامت على تضحيات رجال حملوا الوطن على أكتافهم في أصعب اللحظات. ومع ذلك، يبدو أن ذاكرة السلطة قصيرة، وأن حسابات السياسة باتت أضيق من دماء الشهداء.

لقد شبع كثيرون من مال الشعب وامتيازاته، وامتلأت جيوبهم من خيرات هذا الوطن، لكن حين جاء وقت الموقف، اختاروا الصمت. صمتٌ لا يشبه صرخات الأمهات، ولا يشبه دموع الآباء، ولا يشبه صبر العائلات التي دفنت أبناءها وهي ترفع رؤوسها فخرًا وألمًا في آن واحد.

الحشد الشعبي لم يكن ظاهرة عابرة في تاريخ العراق، بل كان استجابة لنداء الواجب حين كانت البلاد في لحظة مصيرية. رجالٌ تركوا بيوتهم وأعمالهم وذهبوا إلى ساحات المواجهة لأن الوطن كان بحاجة إليهم. هؤلاء لم يقاتلوا من أجل منصب، ولم يستشهدوا من أجل صورة في خطاب سياسي، بل لأنهم آمنوا بأن الأرض والعقيدة تستحقان التضحية.

لكن المؤلم اليوم أن دماءهم تُقابل ببرود رسمي وصمتٍ سياسي يثير الأسئلة أكثر مما يقدّم الإجابات. هل أصبحت الحسابات الدبلوماسية أهم من كرامة الشهداء؟ وهل باتت السياسة تخاف من الحقيقة إلى هذا الحد؟

التاريخ لا يرحم الصامتين، والشعوب لا تنسى من وقف معها ومن خذلها. فالشهداء الذين سقطوا لم يكونوا مجرد أبناء عائلاتهم، بل كانوا أبناء وطنٍ كامل، ودماؤهم ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه أو تأجيل الحديث عنه إلى وقتٍ آخر.

إن كرامة الأوطان تُقاس بمواقفها تجاه شهدائها، لا بعدد البيانات الصامتة ولا بحسابات المقاعد. فمن يقف عاجزًا عن قول كلمة حق في لحظة الدم، لن يستطيع ادّعاء الشجاعة في لحظات السياسة.

ويبقى السؤال معلقًا في ضمير الناس: إلى متى يبقى الصمت سيد الموقف؟ وإلى متى ستبقى المقاعد أهم من الدماء؟

إن دماء الشهداء لا تنتظر مجاملة، ولا تحتاج إذنًا سياسيًا كي تُحترم. إنها الحقيقة التي ستبقى أعلى من كل الصمت، وأثقل من كل المقاعد.

 

 

 

 

 


مشاهدات 53
الكاتب هدى زوين
أضيف 2026/03/17 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/03/18 - 1:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 15034 الكلي 15007103
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير