الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ماذا بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ؟

بواسطة azzaman

ماذا بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ؟

حسين الفلوجي

 

علّمتنا الحروب الكبرى والمتوسطة عبر التاريخ أن نهاية كل حرب لا تعني فقط توقف القتال، بل تعني إغلاق مرحلة كاملة بكل تحالفاتها وتوازناتها، وفتح مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة مراكز القوى والتحالفات ومجالات النفوذ. ومن هذا المنطلق، فإن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران لا تبدو مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل تبدو نقطة تحول مرشحة لإعادة تشكيل العالم والمنطقة على أسس جديدة. فالحروب لا تنتهي عند وقف النار بل تبدأ بعدها تحولات استراتيجية جديدة.

تراجع الأحادية

أهم تحول مرتقب هو تسارع فكرة الانتقال من عالم تقوده قوة واحدة إلى عالم أكثر تعددية. فهذه الحرب كشفت أن الولايات المتحدة ما زالت تملك قدرة عسكرية عالية، لكنها لم تعد قادرة على إدارة النتائج وحدها أو عزل آثار الحرب عن الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية. كما كشفت أن تكلفة الحروب الكبرى لم تعد محصورة في الميدان، بل تمتد فوراً إلى التجارة والطاقة والاستقرار الدولي.

التحول الثاني، هو أن هذه الحرب قد تدفع بقوة نحو تشكل محور الشرق بقيادة الصين وروسيا، أو على الأقل نحو تقارب أوسع بين القوى المتضررة من الهيمنة الغربية. فكلما زادت الحروب والضغوط والعقوبات، زادت حاجة هذه الدول إلى بناء شبكات تعاون جديدة في الطاقة والتجارة والتمويل والأمن. وقد ظهرت بالفعل مواقف روسية داعمة لإيران سياسياً، مع دعوات إيرانية إلى دور أكبر لتكتلات مثل بريكس في إدارة التوازنات الدولية.

الطاقة والممرات البحرية

التحول الثالث يتعلق بالطاقة. فالحرب وضعت مضيق هرمز وممرات الشحن في قلب الصراع، وهذا يعني أن العالم بعد الحرب سيعيد النظر بجدية في أمن الإمدادات، وفي تنويع مصادر الطاقة، وفي بناء مسارات بديلة للنفط والغاز والتجارة. وهذا سيمنح الدول التي تملك الطاقة أو تتحكم بالممرات أو تستطيع حمايتها وزناً سياسياً أكبر في المرحلة المقبلة.

أما التحول الرابع فهو على مستوى المنطقة، فإن الشرق الأوسط مقبل على مرحلة إعادة تموضع شاملة. إسرائيل ستخرج إلى بيئة أكثر توتراً وأقل أمناً مما قبل الحرب، وإيران ستسعى إلى تحويل الصمود أو المواجهة إلى نفوذ سياسي أكبر، بينما ستجد دول الخليج نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم شراكاتها الأمنية والاقتصادية، ليس فقط مع واشنطن، بل مع قوى دولية أخرى أيضاً.

وهذا يعني أن المنطقة قد تتجه إلى نظام إقليمي أكثر تعقيداً، وأقل خضوعاً لقطب واحد.

ولعل من أهم التحولات المرتقبة هي أن أوروبا ستكون من أكثر الأطراف تأثراً من دون أن تكون صاحبة القرار الكامل في الحرب، بسبب الطاقة والتضخم والاضطراب التجاري. وفي المقابل، قد تستفيد الصين وروسيا استراتيجياً من تآكل الثقة بالنظام الذي تقوده الولايات المتحدة، حتى لو لم تدخلا الحرب بشكل مباشر.

الخلاصة أن ما بعد هذه الحرب لن يكون عودة إلى ما قبلها. نحن على الأرجح أمام بداية مرحلة جديدة: مرحلة تحالفات أكثر سيولة، وتنافس أشد على الطاقة والممرات، وتراجع نسبي في الاحتكار الغربي للنظام الدولي، مقابل صعود تدريجي لمحور الشرق ولمنطق التعددية القطبية. ولذلك فإن الأثر الحقيقي لهذه الحرب قد لا يكون فقط في حجم الدمار الذي خلفته، بل في العالم الجديد الذي ستساهم في ولادته.

 

   سياسي مستقل

 

 


مشاهدات 66
الكاتب حسين الفلوجي
أضيف 2026/03/23 - 11:44 PM
آخر تحديث 2026/03/24 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 59 الشهر 19195 الكلي 15211263
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير