الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صناعات ناعمة

بواسطة azzaman

صناعات ناعمة

محمد زكي ابراهيم

 

 رغم أن العالم يقفز بخطوات سريعة كل يوم، ويحقق إنجازات جديدة على مدار الساعة، إلا أن البلاد العربية ما برحت تعاني من الضيق، وتعجز عن اللحاق بالعالم المتمدن، رغم أن محاولاتها في الخروج من هذا المأزق الخانق، دائبة ومستمرة، وفي كل مرة  تواجه الإخفاق، وتمنى بالفشل، وتصاب بالخيبة.

 وسر هذا التراجع المستمر يعود إلى افتقارها إلى صناعات ثقيلة متقدمة، وتقنيات إنتاجية متطورة، تضخ إنتاجها في السوق، وتسد الحاجة المحلية. وتوفر القوة الاقتصادية التي تتوخاها الشعوب.

ولأن من الصعب على (الفقراء) أمثالنا مجاراة (الأغنياء) الذين احتكروا هذا المجال وبرعوا فيه، فقد بات علينا أن نبحث عن البديل الذي يقلب المعادلة، ويصلح الأمور، فليس بالصناعات الثقيلة وحدها تتقدم الشعوب، ولا بد أن تكون هناك ميادين أخرى تسهم في رأب الصدع، وامتلاك عوامل القوة، ومن أهمها على الإطلاق الصناعات الناعمة، التي لا تحتاج إلى رأسمال ضخم، ولا إمكانيات فائقة، وليست حكراً على أحد دون سواه.

والصناعات الناعمة مثل الثقافة والفن والإعلام والسياحة والإعلان والمصارف والجامعات، لا تستهلك الكثير من الطاقة، ولا تحتاج إلى المزيد من الجهد، لأنها هشة وسهلة وقليلة الكلفة، لكنها شديدة التأثير، واسعة الانتشار، وهي أفضل الوسائل لجني المال، وأنجح السبل لبناء الذات، ويمكن أن تكون أساساً لبناء دولة قوية مهابة، لا يجرؤ كائن من كان على المساس بها، كما هو حاصل اليوم.

إن دولة مثل سويسرا لا تمتلك صناعات ثقيلة، ولا تحتكم على معادن ثمينة، لكنها من أكثر بلدان أوربا ثراءً، وأكثر ما تشتهر به التحويلات المالية في مصارفها العملاقة، وأهم ما تملكه عدا عن الخبرة المصرفية، الثقة التي يوليها العالم بها، وحرصه الشديد على التعامل معها، وهي بارعة في تنظيم المؤتمرات  الدولية على أراضيها، وتوفير كل مستلزمات النجاح لها، وحينما تأسست عصبة الأمم، كانت جنيف مقراً رسمياً لها عام 1920 حتى عام 1941.

  ولكي تستطيع الصناعات الناعمة أن تكبر وتتضخم، لا بد لها من اقتحام مجال جديد، ينتظم فيه ملايين الشبان، يعملون داخل غرف مغلقة، وأبنية واسعة، وهو البرمجيات، وقد باتت ضرورة من ضرورات العصر، وسمة من سمات التقدم،  لا يستغني عنها أحد من العالمين، في السلم والحرب على حد سواء، أي أن العناصر الثقافية والأنشطة المصرفية تسهم عن قصد أو غير قصد بتطوير هذا الجانب الحيوي الذي لا يمكن الازورار عنه في عالم لا يعيش فيه سوى الأغنياء

 إن صناعة الفن، أو الدراما يمكن أن تشكل مورداً مهماً للشعوب التي سئمت من البقاء في مؤخرة الركب مثل العرب، لأنها حاجة إنسانية لا بد منها لكل شعب من الشعوب، وثقافة شعبية لا يستغني عنها بلد من البلدان، وهي في ماعدا ذلك  وسيلة مثلى للتعبير عن الذات، وبيان الرأي، والانفتاح على الغير.

وإذا ما استغلت بشكل صحيح، فإنها كفيلة بتغيير حال المجتمع، والانتقال به إلى وضع أفضل. لأنها أداة نقد بالدرجة الأولى، وليست عملاً يقصد به المتعة، أو تزجية الفراغ، أو  قضاء الوقت، فحسب

ليس صحيحاً أننا عاجزون عن دخول العصر، والإسهام في الجهد الإنساني، لكن الصحيح أننا مانزال نجهل الطريق الحقيقية للتقدم، ولا ندرك كيف نلج إلى الحضارة. ، وإذا ما تجاوزنا هذا العائق فسنكون في حل من البحث عن صناعات ثقيلة تستهلك الجهد والمال، وتسهم في زيادة التلوث، ودمار البيئة، وتجعلنا غير قادرين على الخروج من مأزق التبعية للآخرين.

 


مشاهدات 37
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2026/03/23 - 10:23 PM
آخر تحديث 2026/03/23 - 11:24 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 4 الشهر 19140 الكلي 15211208
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير