من هرمز إلى باب المندب.. كيف صار الخليج زناد الكوكب؟
موفق البياتي
في خرائط الجغرافيا التي تبدو هادئة مثل جدول ماء يتعثر من فوقه النسيم ، نقاط تبدو كأنها شقوق رفيعة، لكنها في الحقيقة ، مفاتيح خزائن العالم ، ومضيقا ( هرمز ) و (باب المندب) من تلك الشقوق التي نراها على خريطة العالم، لكنهما قادران وفي لحظة اختناق قادران ان يضعا رقبة العالم كله بين اصابعهما، فهناك حيث يضيق البحر حتى يكاد يتنفس بصعوبة، تمر كل يوم قوافل الطاقة التي تدير مصانع الارض ، وتشعل مدافئ الشتاء في الشمال وتحرك سيارات المدن التي لاتعرف من الخليج الا اسمه على خرائط النفط.اليوم لم يعد الحديث عن هذين المضيقين حديثا باردا في جغرافيا هذا الكوكب، فلقد تحولا الى مسرح اعصاب متوترة، فكل حركة لسفينة فيهما تقرأ في البورصات، وكل صاروخ يسقط في محيطهما يترجم فورا الى ارقام في شاشات الاقتصاد العالمي، فالمسألة لم تعد مجرد صراع اقليمي او جولة جديدة في تاريخ العداء بين امريكا وايران، بل صارت لحظة اختبار مرعبة لسؤال ابسط لكنه الاخطر، كم يحتاج العالم من الماء الضيق ليختنق ؟ان الحرب حين تدور في الصحارى تبقى حربا، اما حين تقترب من شرايين الطاقة فأنها تتحول الى قضية كوكبية، فالمصانع في اسيا والموانئ في اوربا ومحطات الوقود في امريكا ، كلها مربوطة بخيط غير مرئي يمر من هنا ، من هذين المعبرين البحريين اللذين لا يتجاوز عرضهما كيلومترات معدودة ، ومن هنا تبدو المفارقة مذهلة، حضارة كاملة بمدنها و ابراجها و قطاراتها فائقة السرعة . تقف اليوم على اعصاب ممرين بحريين يمكن لطائرة واحدة او لغم واحد ان يعكر صفوهما.
عواصم بعيدة
وهنا بالتحديد تكمن المأساة الحقيقية للشرق الاوسط. فهذه المنطقة لم تعد مجرد ساحة نزاعات سياسية ، فلقد تحولت الى صندوق مفاتيح للاقتصاد العالمي ، وكلما اشتعلت فيها الشرارة . اهتزت معها الاسواق و توترت الاعصاب في عواصم بعيدة لا تسمع عادة صوت الانفجارات.ان المنطقة التي يعيش فيها مئات الملايين من البشر ، اصبحت في نظر العالم صفارة انذار دائم. لا ينظر اليها بوصفها ارض حضارات عريقة ، بل بوصفها حافة قلقة يمر من فوقها اقتصاد الكوكب .ومن هنا فقط نفهم لماذا يراقب العالم كل تطور في هذه الحرب بقلق غير مسبوق ، فالخوف الحقيقي ليس من الصواريخ وحدها ولا من رائحة البارود التي تتخلف عنها ، بل الخوف كل الخوف ان يتحول هذين الممرين البحريين الى نقطة اختناق ، حينها لن تكون المشكلة مشكلة دولة وتحالف ، بل مشكلة كوكب كامل اكتشف فجأة ان نظامه الاقتصادي يشبه ساعة دقيقة لا تستقيم حركتها الا بترس صغير ما ان يختل حتى يتعثر الزمن كله.لقد بنت البشرية نظامها الحديث على فكرة الانسياب الدائم للطاقة، النفط و الغاز يعبران البحار بلا انقطاع، مثل الدم الذي يجري في العروق لا توقفه الا الحروب ، فالحروب التي تذكر العالم بحقيقة قاسية، هي ان العروق يمكن ان تضغط في لحظة وانه عندما يحدث ذلك، فأن اول ما يتوقف ليس فقط حركة السفن بل حركة الاقتصاد نفسه ، فلقد علمنا التاريخ ان الطاقة ليست مجرد سلعة بل هي العمود الفقري للعصر الصناعي كله.
ممرات بحرية
واذا كان القرن العشرون قد شهد حروبا كبرى بسبب من محاولات السيطرة على الارض ، فان القرن الحادي والعشرين يبدو وكانه مرحلة مختلفة، انها مرحلة الحروب حول الممرات . فالممرات البحرية ،والمضائق ، وخطوط الانابيب اصبحت اليوم اشبه بعقد عصبية في جسد الاقتصاد العالمي . ومن يضع يده عليها ولو للحظة واحدة ، يستطيع ان يبعث ارتجافة في النظام الدولي بأكمله.
ان ما يجري اليوم في الخليج يذكر العالم بحقيقة طالما حاول تجاهلها : ان العولمة التي بدأت في العقود الاخيرة امست اليوم وكأنها شبكة واسعة لا مركز لها ، وانها ما زالت في جوهرها تعتمد على نقاط محددة، لكنها حساسة ، هذه النقاط ماهي الا مفاصل الجغرافيا التي لا تستطيع ( التكنولوجيا) تجاوزها، فمهما تقدمت الصناعات ، ومهما تطورت الطاقات البديلة يبقى الواقع قائما وبقوة : ان القسم الاكبر من طاقة العالم يعبر من مضائق قليلة وان اهم تلك المضائق تقع في قلب الشرق الاوسط المضطرب.
لكن السؤال الذي يلوح الان فوق هذه الاحداث ليس سؤال النفط فحسب، بل سؤال السياسة ايضا، فهل يدرك العالم انه كلما ترك تلك المنطقة تغلي بلا حلول حقيقية فأنه يضع استقرار اقتصاده برمته على فوهة بركان ، وهل يمكن للنظام الدولي ان يستمر في التعامل مع الشرق الاوسط بوصفه مسرح ازمات دائمة، ثم يتفاجأ في كل مرة بأن تلك الازمات ترتد عليه مثل الأمواج العاتية.ان الخطر الحقيقي لا يكمن في ان يشتعل البحر يوما ما ، بل في ان يظل العالم مصرا على الاعتقاد بأن النار بعيدة عنه ، فكلما اقتربت الحرب من شرايين الطاقة، يصبح الكوكب برمته طرفا فيها، حتى لو لم يسمع سكانه صوت الانفجار.وهكذا في زاوية ضيقة من مياه الخليج ، يكتب العالم مرة اخرى درسه القديم الجديد : ان من الممــــــكن ان يتوقف مصير الحضارات الكبرى عند اضيق الممرات.