التحصين النخبوي المتبادل.. تحليل إنتقائية السياسة العالمية
علاء جواد كاظم
أن التناقض بين الخطاب الاخلاقي والممارسة العملية يفسر غالبا بازدواجية النظام السياسي العالمي. الا أن هذا التوصيف يبقى هامشيا ما لم يحلل بنيويا. فالازدواجية لا تنكشف في القرارات الظرفية الحرجة فقط، بل تبدو احيانا سلوك متكرر في اسلوب ادارة الازمات العالمية وتطبيق الاليات القانوية والاخلاقية. ويطرح هذا المقال توصيف نظري يمكن ان نطلق عليه «التحصين النخبوي المتبادل» بوصفه مفهوم يفسر ظاهرة التناقض ويحللها، ويضعها في سياق مقارن مع الواقع السياسي العالمي، والسياسة الليبرالية، ونظرية النخبة.
يشير مفهوم التحصين النخبوي، لسياسة بنيوية مغلقة تتظافر من خلالها النخب السياسية والاقتصادية والاعلامية ضمن النظام العالمي لحماية بقاء منظومة النفوذ المتبادل، حتى لو تعارضت الاطر القانوية والخطاب الاخلاقي المعلن مع الممارسة الفعلية.
لا ينطلق هذا المفهوم من وجود فرضية مؤامرة عالمية، بل يفترض وجود تبادل مصالح مشتركة عابرة للحدود السياسية والجغرافية، واعتماد متبادل بين مراكز القوة، وثمن باهض لكشف التناقض البنيوي في النظام السياسي. لذلك يذهب هذا النظام الى لملمة الازمات العالمية بدل من كشفها وتفكيكها.
يستند التحصين النخبوي على اليات رئيسية اهمها: اولا، احتواء اي ازمة عالمية بدل من اعادة هيكلية النظام، عبر تحميل المسؤولية لفرد واحد دون المساس بالبنيوية العليا. ثانيا، اعادة ترتيب الخطاب العام بتغيير الحوار من فشل بنيوي في المنظومة الساسية العالمية الى خلل اخلاقي فردي او فشل ادراي. ثالثا، الازدواجية في تنفيذ القانون العالمي ومعايير حقوق الانسان كالحرية والعدالة وغيرها وفق اعتبارات ومصالح استراتيجية. رابعا، ادارة الوعي العام عالميا من خلال تقليص التركيز الاعلامي او اعادة توجيهه نحو قضية ثانوية.
تعمل هذه الاليات الاربعة عبر تنسيق غير مباشر، تحكمه شبكة مصالح النخب السياسية العالمية.
لو قارنا هذا المفهوم مع الواقعية السياسية، نجد أن الدولة هي الفاعل السياسي في الواقعية، وأن النظام العالمي غير منضبط ومستقر، وأن المصلحة الوطنية والقوة هما المصدران الرئيسيان للسلوك السياسي. لذا وفق هذا المنظور، التناقض ليس تناقضا بالاصل، بل هو تعبير طبيعي لمنطق القوة. اما في منظور التحصين النخبوي، فالنخبة السياسية العابرة للحدود هي الفاعل الاساسي او المحوري، والتركيز على شبكة المصالح المشتركة، وتفترض وجود خطاب اخلاقي عام يدار بشكل انتقائي. لذا يتجاوز مفهوم الواقعية السياسية، اذ لا يركز على سلوك الدولة وحدها، بل يشدد على اهمية سلوك البنية العليا للنظام العالمي.
اما في المقارنة مع السياسة الليبرالية، فهي ترى المؤسسات العالمية تقلل من حالة الفوضى، وان القانون العالمي يضبط السلوك السياسي، ويشترط التعاون. غير ان الواقع يكشف احيانا عن انتقائية في تطبيق هذه القواعد. وتفسر الليبرالية هذا الخطا ناتج من ضعف المؤسسة، في حين يرى التحصين النخبوي أن المؤسسة ذاتها قد تكون جزءا من مجموعة الاستقرار النخبوي. فالازدواجية ليست فشل عرضي، بل نتاج توازن المصالح داخل البنية السياسية العليا.
تحصين نخبوي
والذهاب الى نظرية النخبة لمفكرين مثل فيلفريدو باريتو و غايتانو موسكا، يرون أن كل مجتمع تسيطر عليه اقلية من الناس. وهنا يتقاطع هذا التحصين النخبوي مع هذه الفكرة، لكنه يضيف اتجاهين اساسيين وهما، الاتجاه العابر للحدود، واتجاه حماية البنية الشبكية لا مجرد السيطرة عليها. فالنخبة لا تسيطر على القرار العالمي فقط، بل تحميه ويحمي بعضها بعضا من اجل حماية النظام والقانون الدولي الذي يمنحها الامتياز والحصانة.
وينكشف هذا التناقض في الازدواجية بين الخطاب الاخلاقي الداعي لحماية المدنيين، ودعم سياسات تؤدي الى انتهاكات كبيرة لحقوق الانسان وسقوط ضحايا. ويكشف ذلك أن تكلفة المساس بالعلاقات الاستراتيجية الكبرى اعلى من تكلفة التناقض الخطابي، ما يجعل الازدواجية وظيفة لضمان استقرار بنية التحصين.
ويمكن مشاهدة ادلة بارزة تمييز هذا المفهوم عن الواقعية والليبرالية. الدليل الأول يتمثل في تناقض تطبيق القانون الدولي، من خلال مقارنة قرارات الإدانة، واستخدام حق النقض (الفيتو)، وطبيعة العقوبات المفروضة في أزمات عالمية مشابهة. فالمقارنة بين حرب غزة (2023-2024) ضمن الصراع الدائر بين حماس واسرائيل، والحرب الروسية – الاوكرانية، يتضح الاختلاف في سرعة تطبيق القوانين ومعدل الدعم الدولي لصالح طرف دون اخر. وهذا التفسير يعزي الى منطق التحالفات الاستراتيجية، وتعزوه الليبرالية إلى ضعف آليات تنفيذ القانون. في حين يراه التحصين النخبوي سلوك بنيوي يعزز العلاقات الاستراتيجية الكبرى ويحول دون المساءلة الكاملة.
الدليل الثاني الذي يتعلق بشبكات النخب العابرة للحدود الجغرافية، سواء كانوا سياسيين، او رجال أعمال أو مؤسسات إعلامية، عبر المصالح الدولية المشتركة والتمويل المالي والعضويات المتداخلة.
الدليل الثالث يتمثل في إعادة تشكيل الخطاب الإعلامي العالمي للأحداث الجارية، حيث ينتقل النقاش من نقد البنية السياسية إلى وضع المسؤولية على شخص واحد.
وتظهر هذه المسألة بوضوح في قضية جيفري إبستين، اذ كشفت قضيته عن شبكة علاقات دولية واسعة تشمل شخصيات ونخب سياسية بارزة ورجال اعمال ومؤسسات اعلامية، ولكن تناولها من قبل القضاء ووسائل الإعلام يركز على الشخص نفسه، دون تحليل شامل للبنية الاجتماعية التي ساهمت في وجود هذه الشبكة النخبوية واستمرارها لمدة سنين. وهذا التحليل يتجاوز مفهوم الواقعية السياسية، التي لا تهتم بشكل خاص بتداخل النخب غير الحكومية، كما أنه يتعدى الليبرالية المؤسسية التي تذهب إلى اعتبار ما حدث مجرد خلل رقابي او قانوني. وبالمقابل، يشير مفهوم «التحصين النخبوي المتبادل» إلى وجود اسلوب من الدعم المتبادل ضمن البنية النخبوية، مما يمنح النظام العالمي القدرة على الاستمرار دون تغييرات مفصلية، حتى بعد ظهور أزمات أخلاقية كبيرة.
واقع سياسي
وتكمن القيمة النظرية لهذا المفهوم في ربطه بين الواقع السياسي ونظرية النخبة، وتفسره لضرورة بقاء النظام العالمي رغم اخطائه الكارثية وفضائحه الاخلاقية، وتأطيره لمفهوم الازدواجية في تطبيق المعايير الدولية ضمن تحليل بنيوي. وهو لا يلغي النظريات السياسية السابقة، بل يدمجها عبر زج عامل «شبكة الحماية المتبادلة». فالازدواجية وفق هذا الاتجاه، نتاج الحماية الاستراتيجية للعلاقات العالمية، تدار عبر القانون والخطاب والاعلام. والدليل هو أن الاشخاص الفاعلين ينتمون الى شبكة علاقات استراتيجية متقاطعة توفر لهم الحماية. أن تكرار الانتقائية عبر ازمات مختلفة، رغم اختلاف السياقات المكانية، يدل على استقرار بنيوي لا مجرد قرارات مصلحية عابرة.