الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إزدواجية الغضب حين تصبح القضايا إنتقائية

بواسطة azzaman

إزدواجية الغضب حين تصبح القضايا إنتقائية

غارسيا ناصح

 

في كل مرة يشتعل فيها نزاعٌ في الشرق الأوسط، نرى موجةً من البيانات والخطابات والمظاهرات. ترتفع الشعارات، وتُرفَع الرايات، وتُعلَن مواقف “حازمة” دفاعًا عن هذه الدولة أو تلك. غير أن السؤال المؤلم يبقى:

هل تتحرك الضمائر بدافع المبدأ… أم بدافع الاصطفاف السياسي؟

عندما تتصاعد التوترات بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، نجد كثيرًا من الدول والحركات السياسية في العالم الإسلامي تعلن تضامنها الفوري. تُقدَّم القضية بوصفها معركة سيادة وكرامة في مواجهة “الهيمنة”.

لكن، في المقابل، حين يتعرض شعبٌ كالأكراد في بعض المناطق إلى القتل أو التهجير أو القمع، يسود صمتٌ ثقيل. لا بيانات عاجلة، ولا حشود غاضبة، ولا خطابات تعبئة.

هنا تتشكل فجوة أخلاقية.

القضية الكردية ليست جديدة. فهي ممتدة تاريخيًا في العراق وسوريا وتركيا وإيران. وبين لحظةٍ وأخرى، تتجدد الأزمات: نزوح، صراعات مسلحة، اعتقالات، أو توترات عرقية. ومع ذلك، لا تحظى هذه الأحداث غالبًا بنفس الزخم الإعلامي أو السياسي الذي تحظى به صراعات الدول الكبرى.

لماذا؟

السبب لا يكمن دائمًا في جهلٍ بالوقائع، بل في حسابات المصالح.

فالدول تتحرك وفق توازنات استراتيجية، لا وفق معيارٍ إنساني صرف. المواقف تُقاس بحجم التحالفات، وتأثيرها في الداخل، وكلفتها الخارجية. لذلك قد يتحول التضامن إلى أداة ضغط، لا إلى التزام أخلاقي شامل.

المشكلة أن هذا الانتقاء يُضعف مصداقية الخطاب العام.

إذا كان المعيار هو نصرة “المظلوم”، فيجب أن يكون المبدأ ثابتًا لا يتغير بتغير هوية الضحية أو الجاني. أما إذا كان المعيار هو السياسة، فليُقال ذلك بصراحة، بدل تغليفه بلغة أخلاقية مطلقة.

الأكراد — كغيرهم من الشعوب — ليسوا رقمًا في معادلة إقليمية. هم بشر لهم حق الحياة والأمن والكرامة. كما أن الإيراني أو الفلسطيني أو أي شعب آخر له الحق ذاته. العدالة لا تتجزأ، وإلا فقدت معناها.

إن أخطر ما في الانتقائية أنها تُحوِّل القضايا الإنسانية إلى أوراق مساومة. وعندما يُصبح الألم وسيلة، يفقد الضمير الجمعي بوصلته.

في النهاية، السؤال ليس: من مع مَن؟بل: هل نحن مع الإنسان، أيًّا كان اسمه وانتماؤه؟

فالمواقف التي لا يحكمها مبدأ ثابت، تتحول مع الزمن إلى صدى للمصالح… لا صوتًا للعدالة.

 

 


مشاهدات 46
الكاتب غارسيا ناصح
أضيف 2026/03/01 - 3:01 PM
آخر تحديث 2026/03/02 - 7:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 518 الشهر 1629 الكلي 14955698
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير