الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدراما التاريخية بين التثقيف والتزييف.. ممارسة التضليل وتشويه الوعي


الدراما التاريخية بين التثقيف والتزييف.. ممارسة التضليل وتشويه الوعي

أكرم عبدالرزاق المشهداني

 

هناك في الواقع إشكالية عميقة في العلاقة بين التاريخ والدراما التلفزيونية. حين يكون الكاتب أو المؤرخ أو السيناريست متحيزًا لحقبة زمنية معينة، أو يختار أن يفسر الأحداث وفق هواه، فإننا أمام عملية إعادة تشكيل للذاكرة الجمعية لا تعكس الواقع بقدر ما تعكس الانتماء الشخصي أو الأيديولوجي.

نقاط أساسية في الظاهرة:

الانتقاء المتحيز للأحداث: يتم التركيز على وقائع تخدم رؤية معينة، بينما يتم تجاهل أحداث أخرى قد تكون أكثر تأثيرًا أو أكثر تعقيدًا.

التفسير الذاتي: بدلًا من عرض الأحداث كما هي، يُضاف إليها تأويلات شخصية أو سياسية، مما يحولها إلى خطاب موجَّه لا إلى سرد تاريخي.

الدراما الرمضانية كمثال: هذه المسلسلات غالبًا ما تُعرض في موسم له جمهور واسع، فيصبح تأثيرها مضاعفًا على الوعي العام، خاصة حين تُقدَّم بلمسة عاطفية أو بطولية.

الهوى والانتماء: الانحياز قد يكون دينيًا، سياسيًا، أو اجتماعيًا، فينعكس على طريقة رسم الشخصيات وتسيير الاحداث وتفسيرها.

الأثر على الجمهور

تشويه الوعي التاريخي: المشاهد قد يظن أن ما يراه هو الحقيقة الكاملة، بينما هو في الواقع نسخة مشوهة أو مبتورة.

إعادة إنتاج الانحياز: الجمهور يتبنى نفس الانتماءات التي يزرعها النص الدرامي، مما يعزز الانقسام الاجتماعي.

إضعاف النقد التاريخي: حين يصبح الفن وسيلة لتزييف أو تلميع، يفقد الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال.

وجهة نظر نقدية

الدراما ليست مطالبة بأن تكون وثيقة تاريخية، لكنها حين تتعامل مع أحداث تاريخية أو شخصيات عامة، تصبح مسؤولة عن الحد الأدنى من الأمانة. وإلا فإنها تتحول إلى أداة دعائية أكثر منها عملًا فنيًا. هنا يظهر دور النقد الثقافي والإعلامي في كشف هذا التحيز، ومطالبة الكُتّاب بمسؤولية أكبر تجاه الذاكرة الجمعية.

اين الحل؟ هل يكمن الحل في إلزام الدراما التاريخية بمعايير توثيقية صارمة، أم أن الفن يجب أن يبقى حرًا حتى لو كان على حساب الحقيقة؟

أن المشكلة لا تكمن فقط في النصوص الدرامية أو في غياب المعايير التوثيقية، بل في المتلقي نفسه الذي يتلقى الرسالة دون تمحيص أو نقد. هنا يصبح الجمهور شريكًا في صناعة الانحياز، لأنه يستهلك الرواية كما هي، ويعيد إنتاجها في وعيه الجمعي.

لماذا المتلقي هو الحلقة الأضعف؟

غياب التجربة المباشرة: من لم يعش الحقبة المعنية يعتمد على الروايات والتمثيلات، فيصبح أكثر عرضة للتأثر بالتحيز.

ضعف الثقافة التاريخية: كثير من الناس لا يملكون أدوات نقدية أو خلفية معرفية تمكنهم من التمييز بين الحقيقة والخيال.

قوة الدراما العاطفية: المشاهد يتأثر بالحبكة والشخصيات أكثر مما يتأثر بالوقائع، فيغدو الانحياز مقنعًا لأنه مغلف بالوجدان.

الحلول الممكنة

تعزيز الوعي النقدي: إدخال مهارات التفكير النقدي في التعليم والإعلام، بحيث يتعلم الناس أن يسألوا: من كتب؟ لماذا كتب؟ ولمن كتب؟

الموازنة بين الفن والتوثيق: يمكن للدراما أن تبقى حرة، لكن مع وجود مستشارين تاريخيين يضمنون الحد الأدنى من الدقة.

تعزيز الوعي النقدي: إدخال مهارات التفكير النقدي في التعليم والإعلام، بحيث يتعلم الناس أن يسألوا: من كتب؟ لماذا كتب؟ ولمن كتب؟

الموازنة بين الفن والتوثيق: يمكن للدراما أن تبقى حرة، لكن مع وجود مستشارين تاريخيين يضمنون الحد الأدنى من الدقة.

إنتاج أعمال توعوية موازية: برامج وثائقية أو نقاشات ثقافية ترافق الأعمال الدرامية، لتفكيك ما فيها من تحيزات.

مسؤولية النقاد والإعلاميين: النقد الفني والثقافي يجب أن يفضح التزييف والانحياز، لا أن يكتفي بالاحتفاء بالنجومية.

جوهر المسألة هي أن الدراما تصنع ذاكرة، لكن الجمهور هو من يقرر إن كانت ذاكرة واعية أم ذاكرة مشوهة.

هل يمكن أن تتحول الدراما التاريخية إلى وسيلة للتثقيف الجماهيري إذا أُحسن توظيفها، أم أن طبيعتها الفنية ستظل دائمًا أقوى من أي محاولة للتوثيق؟

الدراما التاريخية يمكن أن تكون أداة تثقيف جماهيري قوية إذا تخلّت عن الانحياز والتلفيق، واعتمدت على الصدق الفني والحد الأدنى من التوثيق. فهي ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل قادرة على أن تفتح نافذة على الماضي وتبني وعيًا نقديًا عند الجمهور.

كيف يمكن أن تصبح الدراما التاريخية وسيلة للتثقيف؟

الاعتماد على مستشارين تاريخيين: وجود خبراء يراجعون النصوص يضمن أن الحبكة لا تنحرف عن الحقائق الأساسية.

الموازنة بين الفن والتاريخ: يمكن للكاتب أن يضيف عناصر درامية، لكن دون أن يزوّر أو يختلق أحداثًا جوهرية.

تقديم الشخصيات بإنسانيتها: بدلًا من تحويلها إلى رموز دعائية، تُعرض بضعفها وقوتها، مما يقرّبها من المتلقي ويجعله يفهم السياق التاريخي.

استخدام الدراما كمدخل للنقاش: العمل الفني يثير الفضول، ويمكن أن يتبعه برامج أو مقالات تشرح وتفكك ما ورد فيه.

الأثر المتوقع

رفع مستوى الوعي الجماهيري: حين يرى المشاهد التاريخ في صورة حية وموثوقة، يصبح أكثر قدرة على فهم الحاضر.

تقليل الانقسام الاجتماعي: الأعمال التي تتجنب الانحياز تساعد على بناء ذاكرة مشتركة بدلًا من ذاكرة متنازعة.

تحفيز البحث الشخصي: الدراما الجيدة تدفع المشاهد للقراءة والاطلاع، لا للاكتفاء بما شاهده.

المشكلة ليست في الفن ذاته، بل في الهوى الذي يوجّه القلم. إذا تحرر الكاتب من ضغط الانتماءات، يمكن للدراما أن تتحول إلى مدرسة شعبية للتاريخ. لو أُنتجت دراما تاريخية عربية بوعي نقدي وصدق توثيقي، هل تراها قادرة على منافسة الكتب والمناهج التعليمية في تشكيل وعي الأجيال؟

إذا تحررت الدراما من ضغط الانتماءات والهوى، يمكن أن تتحول إلى مدرسة شعبية للتاريخ، بل ربما تكون أكثر تأثيرًا من الكتب والمناهج لأنها تخاطب العاطفة والخيال إلى جانب العقل. ربما يكون التحدي الأكبر ليس فقط في كتابة نصوص دقيقة، بل في تربية جمهور ناقد قادر على التمييز بين الفن والتاريخ، بين المتعة والمعرفة. عندها يصبح الفن أداة تثقيف لا أداة تضليل.

 

باحث اعلامي واجتماعي


مشاهدات 56
الكاتب أكرم عبدالرزاق المشهداني
أضيف 2026/03/14 - 1:10 AM
آخر تحديث 2026/03/14 - 2:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 11471 الكلي 15003540
الوقت الآن
السبت 2026/3/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير