الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من قصف المفاعل إلى صراع المحاور قراءة في الدوافع

بواسطة azzaman

من قصف المفاعل إلى صراع المحاور قراءة في الدوافع

. رشيد العجيل

 

منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، دخلت المنطقة العربية مساراً متعرجاً من الأزمات والحروب والتحولات الحادة. شكّل قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981 محطة مفصلية حين نفّذت إسرائيل وحكومة مناحيم بيغن عملية عسكرية ضد مفاعل تموز (أوزيراك). لاحقاً أصبح بنيامين نتنياهو أحد أبرز صانعي السياسة والحروب في إسرائيل وارتبط اسمه بتشديد المقاربة الأمنية تجاه ما تدعي تل أبيب تهديدات وجودية.

توالت بعدها الحروب والانهيارات: حربا 1991 و2003 في العراق، ثم اضطرابات ما بعد 2011 في ليبيا وسوريا واليمن، وأزمات متفاقمة في لبنان والسودان. وبين هذه التحولات بقيت فلسطين في قلب المشهد مع تعثر مسارات التسوية وتبدل أولويات القوى الكبرى خصوصاً خلال إدارة دونالد ترامب.

ما الأسباب الفعلية للتصعيد بين إسرائيل وإيران؟

رغم عدم وجود حرب تقليدية شاملة ومستمرة بين الطرفين فإن الصراع بين إسرائيل وإيران اتخذ أشكالًا متعددة: ضربات متبادلة غير مباشرة مواجهات عبر أطراف حليفة وعمليات أمنية واستخباراتية. ويمكن تلخيص الدوافع الأساسية في عدة محاور:

1) الردع النووي ومنع التحول الاستراتيجي:

ترى إسرائيل أن امتلاك إيران قدرة نووية عسكرية أو الاقتراب منها يغيّر ميزان الردع في المنطقة بشكل جذري. لذلك تبنّت استراتيجية “منع التمكين” عبر الضغط الدبلوماسي والعمليات السرية والضربات المحدودة في ساحات أخرى لمنع ترسيخ بنية عسكرية إيرانية متقدمة.

2) الصراع على النفوذ الإقليمي:

تعتبر تل أبيب أن تمدد نفوذ طهران عبر حلفائها في المشرق يخلق طوقاً أمنياً ضاغطاً عليها. بالمقابل ترى طهران أن دعمها لحلفائها يعزز موقعها التفاوضي ويردع خصومها. هكذا تحوّل التنافس إلى “حرب ظل” في أكثر من ساحة.

3) الحسابات الداخلية والسياسية:

في أوقات الأزمات الداخلية قد تميل الحكومات إلى تشديد الخطاب الأمني لتعزيز التماسك الداخلي. هذا لا يعني أن الدوافع أمنية صِرفة لكنه يفسر توقيتات بعض التصعيدات.

4) دور الولايات المتحدة:

الولايات المتحدة حليف استراتيجي لإسرائيل ويسيطر اللوبي الصهيوني على السياسة الخارجية بما يخدم إسرائيل اولاً وتتبنى سياسة منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط. دوافع واشنطن المعلن منها تشمل:

منع سباق تسلح نووي إقليمي.

حماية حلفائها وضمان حرية الملاحة وأمن الطاقة.

إدارة توازن القوى في مواجهة منافسين دوليين.

يرى منتقدون أن تصعيد المواجهة مع إيران قد يساهم سياسياً وإعلامياً في تحويل الاهتمام الدولي بعيداً عن مسار القضية الفلسطينية خاصة في لحظات التوتر. بينما تؤكد أطراف أخرى أن الملفين منفصلان في الحسابات الاستراتيجية، وأن كل ساحة لها دينامياتها الخاصة.

5) “الهيمنة” أم إدارة المخاطر؟

هناك سردية واسعة في المنطقة تعتبر أن الهدف النهائي هو فرض واقع إقليمي يضمن تفوق إسرائيل طويل الأمد. في المقابل، تجادل تل أبيب بأن استراتيجيتها دفاعية وردعية بالأساس. بين هاتين الرؤيتين تتشكل السياسات الفعلية على الأرض، حيث يمتزج الردع بالرسائل السياسية، وتُدار المخاطر بدل حسمها.

أين تقف المنطقة؟

الواقع أن الصراع لا يحدث في فراغ. الانقسامات العربية، وضعف التنسيق والأزمات الداخلية كلها عوامل تقلل من القدرة على صياغة موقف جماعي مؤثر. كما أن التنافس الإقليمي بين قوى غير عربية ومنها إيران يملأ الفراغات التي تخلّفها الدول المنهكة.

الدرس الذي يتكرر منذ أربعة عقود هو أن غياب مشروع إقليمي عربي متكامل يجعل المنطقة ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. الوحدة هنا لا تعني بالضرورة تطابقاً كاملاً بل تنسيقاً مؤسسياً وتكاملًا اقتصادياً وبناء قوة ذاتية في التعليم والتكنولوجيا والدفاع بما يتيح التفاوض من موقع قوة لا من موقع رد الفعل.

إن فهم دوافع الصراع بين إسرائيل وإيران ودور الولايات المتحدة فيه يساعد على قراءة المشهد بواقعية بعيدًا عن الشعارات. فالمستقبل العربي لن يُصنع عبر الاستقطاب الدائم، بل عبر إدارة ذكية للخلافات وإعادة توجيه موارد الدول العربية البشرية والاقتصادية الهائلة نحو التنمية وبناء الدول والإنسان العربي. وعندها فقط يمكن للمنطقة أن تتحول من ساحة تنازع إلى فضاء توازن وتعاون.


مشاهدات 45
الكاتب رشيد العجيل
أضيف 2026/03/03 - 2:23 PM
آخر تحديث 2026/03/04 - 4:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 177 الشهر 3372 الكلي 14957441
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير