الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بغداد .. وعد مؤجّل بالنجاة

بواسطة azzaman

بغداد .. وعد مؤجّل بالنجاة

سعد العبيدي

 

في بغداد، المدينة التي اعتادت حملَ تناقضاتها كما يحمل دجلة صفاءه وكدره، بدت المجمعات السكنية الحديثة في وسطها كأنها وعدٌ مؤجلٌ بالنجاة.

ومع هذا، لا يمكن إنكار أن بعضها أنيقٌ بعمارتِه الحديثة ومرافقِه المترفة، وأنها تمثل حاجةً واقعيةً لعاصمةٍ أثقلتها الرثاثة وتراكم الإهمال، ومحاولةً لترميم صورةٍ حضريةٍ متعبة، وسدَّ فجوةٍ سكنيةٍ تتسع كل عام.

غير أن النظرة المتأنية تكشف طبقةً أخرى من الحكاية؛ طبقةً أقلَّ لمعاناً وأكثرَ قسوة: اختلالاتٍ عمرانيةً وبصريةً لا تخطئها العين. إذ إن هذا البعض من المجمعات لم يأتِ نتيجة رؤيةٍ عمرانيةٍ شاملة أو انسجامٍ تخطيطيٍّ مدروس، بعد أن توزعت على جسد المدينة كما تتوزع الندوب.

أراضٍ كان يُفترض أن تكون رئاتٍ خضراء، وحدائقَ ومتنزهاتٍ ومساحاتِ تنفسٍ جماعي، تحولت إلى كتلٍ إسمنتيةٍ مغلقة.

اختفى الأخضر تدريجياً بفعل قراراتٍ نفعيةٍ ملتبسة وشبكاتِ مصالحَ معقدة، حيث تتوارى المدينة خلف حسابات الفساد والرشوة والنفوذ. كما لا يخلو المشهد البصري الناتج من ارتباك: حيٌّ سكنيٌّ هادئ تتوسطه عماراتٌ شاهقة، كأنها أجسامٌ غريبةٌ هبطت بلا سياق.

مجمعٌ كامل صُممت بناياته على نسقٍ واحد؛ عشرون طابقاً تتكرر بإيقاعٍ ميكانيكي، وفجأة ترتفع عمارةٌ أو اثنتان بخمسين طابقاً، نشازٌ عموديٌّ يخلخل التوازن ويكسر الأفق.

ذاكرة المدن

لا علاقة واضحة بين الارتفاعات، ولا حوار بين الكتل، ولا احترام لخط السماء الذي يشكل ذاكرة المدن وروحها، وبالتالي، أصبحت العمارة هنا لا تؤدي دورها الثقافي والجمالي بقدر ما تحولت إلى استعراضٍ استثماري، غاب فيه النسيج الحضري وفقدت المدينة وحدتها البصرية. وهو خللٌ لم يتوقف عند التباين الشكلي، بل امتد إلى انقطاع المباني عن محيطها، واختلال الارتفاعات، وغياب المقياس الإنساني، حيث تبدو الفراغات إما قاحلةً أو مختنقةً. كذلك يتراجع الحوار مع المناخ والذاكرة المحلية؛ موادٌ وواجهاتٌ تُفرض على بيئةٍ قاسية، فغدت العمارة عبئاً بدلاً من أن تكون استجابةً ذكية. ومع تغليب الربحية المفرطة، بدت بعض المجمعات كجزرٍ معزولةٍ عن الشارع وحياة المدينة، لا يقتصر أثرها على تشويه المشهد البصري، وإنما يكشف خللاً أعمق في تصور وظيفة العمارة؛ فحين تنفصل عن سياقها العمراني والإنساني، تتحول إلى تراكمِ كتلٍ لا إلى نسيجٍ حي.

والمفارقة الأشد إيلاماً أن الاستثمار، الذي يُفترض أن يكون أداةً لحل أزمة السكن وتحسين نوعية الحياة، تحول إلى عامل تشويهٍ بصريٍّ ووظيفي. وبدلاً من أن يعيد صياغة بغداد بصورةٍ أكثر اتزاناً وإنسانية، أضاف طبقاتٍ جديدةً من الفوضى والازدحام والقصور في الخدمات، وانقطاع العلاقة بين الناس ومحيطهم. بغداد، في واقعها الحالي، لا تحتاج إلى عماراتٍ أعلى فحسب، وإنما إلى فكرةٍ أعمق عن المدينة: إلى تخطيطٍ يحترم التاريخ والمناخ والهوية، وإلى عمارةٍ تنمو من المكان لا تُفرض عليه، وإلى مساحاتٍ عامةٍ لا تُبتلع باسم التطوير. فصورةُ العاصمة، أيِّ عاصمة، هي انعكاسٌ مباشرٌ لنوعية الحياة، وذاكرة الأجيال، وإحساس الناس بانتمائهم. وعلى وجه العموم فان الصورة التي كوَّنها الاستثمار النفعي لبغداد تدفع إلى الاستنتاج: إنَّ البغداديين الأصلاء يقفون اليوم بين الإسمنت والأحلام المعلَّقة، يتساءلون: أيُّ مدينةٍ نريد؟ وأيُّ عمارةٍ تليق بمدينةٍ كانت يوماً معياراً للحضارة، لا مجردَ سوقٍ مفتوحٍ للارتفاعات المتنافسة؟

 

 


مشاهدات 58
الكاتب سعد العبيدي
أضيف 2026/02/27 - 9:42 PM
آخر تحديث 2026/02/27 - 10:52 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 333 الشهر 21343 الكلي 14952986
الوقت الآن
الجمعة 2026/2/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير