كمية الحقد الموجودة بحرق قارة.. ما أفصح به الروائي في تغريبة وطن
قاسم ماضي
ذاكرة مشحونة بالحروب، والخوف من القادم، ووطن محشو بالطائفية والصراع فيما بينهم عبر تعددية متناقضة تتصارع فيما بينها ، لتولد لنا تنافرات جعلت السوداوية عند اغلبهم . والبقاء للاقوى عبر تعددية غير متفقة وبعيدة كل البعد عن الانسجام داخل الوطن الذي ظل ومازال في افاق بعيدة المنال .
يقول : « كان معظم الشيعة قد نزحوا عن بيوتهم وأراضيهم تباعا ص23
وشخوص وهمية أم حقيقية تتراقص في مخيلته نتيجة الإحباط الداخلي الذي ظل يراوده طوال بقاءه في بلده أم هو خارجه باعتباره من دعاة القلم والثقافة التي نشطت أفكاره بالجب والسلام ،محاولأ إيصال رسالته عبر أحداث عاشها ورسمها ضمن رؤية تجسد الواقع الجديد لهذا .يقول
« هذه الوقائع والأحداث التي كونت جزاءأ كبيراً من حياتي ، أي تشابه في الأسماء أو الحقائق هو من مقتضيات النص « ص11
بطلة الرواية « هدى « التي أقتحمت أرض الإغتراب، وهي الولايات المتحدة الامريكية وبالذات ولاية ميشيغن مدينة « ديربورن « ولا أدري هل الكاتب « العزير « أراد أظهار هذه الشخصية وهو يعرفها وقريبة منه أم أراد الأختباء وراء هذه السطور .كي لا يظهر هذه الحقائق التي أدخلتنا في عوالم المحظورات السلوكية التي رسمها البعض من المهاجرين الذين أرادوا الحفاظ على التقاليد الدينية ،لأن موقفه من الدين يبدو منحازا لما مر به أو إستمع اليه ، وكونه كاتب متمرس وله خبرة كبيرة في عالم الكتابة الصحفية تحديدا كما يقول
« هذه الرواية هي من نسيج الخيال المستمد من تجربة إنسانية « ص11
جميع أبطال الرواية يعيشون هذه الانكسارات الروحية ومنهم « هدى ، الهام ، شفيق ، حاتم وغيرهم ، وكل واحد منهم يسير باتجاه هو رسمه ، والقادم من المجهول بظل هذا الاستفزاز الاسرائيلي الوحشي، في بلد يكتظ بالطوائف المتعددة التي ظلت عصية على عدم الوئام، وليس هناك أملاً في التماسك والحلول المؤدية إلى العيش بسلام .يقول في البداية
« هذه الرواية من نسيج الخيال المستمد من تجربة إنسانية تتقاطع مع الكثير من الوقائع والاحداث التي كونت جزاءا كبيرا من حياتي « ص11
وبلغة بسيطة ومعمقة وهي اقرب الى السرد الصحفي ، وفيها من الحوارات الكثير بين الشخوص جعلت من الرواية كأنها سمفونية حمراء ممزوجة بأنفاس أبطاله الذين كانوا وما زالوا ينظرون بعيون مفتوحة إلى هذا العالم الذي تحول إلى عالم تتخلله المذابح والخوف والدم الذي نسجته الألة الإسرائيلية المدمرة الى الأوطان ،وهي مصدر القلق على واقعنا العربي كله وملامح هذا الواقع جسده الكاتب الصحفي والروائي في روايته الأولى المعنونة « تغريبة وطن « .
« ومن نكد الدنيا على العرب ان الصهاينة أختاروا فلسطين ،ليكفروا عن تواطئهم مع هتلر في المحرقة النازية « ص168
حيث ابطال الرواية مكثت في دواخلهم هذا القلق اليومي الذي تعامل معه الكاتب « العزير» بطريقة الباحث النفسي وهو ينسج احداث الرواية مثل صانع ماهر، فكانت شخوصه مشوشة ، ومضطربة وسمات نفسية تحمل لنا مائدة من واقع هذه القرى الذين قدموا منها مثل . عين التوت ، بعلبك ، حراجيل ، كفر ذيبان « وغيرها .يقول
« مجتمعنا جاهل وكذاب ، ودايما الصادقين هم اللي بيدفعوا الثمن « ص40
ليس هذا فقط فهو عمل بكل أدواته من أجل ان يتقصى الحقائق ، فجميع ابطاله مهوسين نتيجة عدم الاستقرار والصراعات الدائرة في لبنان .وكأنه أراد أن يظهر هذا الواقع المر في هذا الإغتراب عبر تكوين أرضية صلبة يجسد بها ما يدور في خلده من معاناة عبر احداث وشخصيات تمثل معادلة الصراع ، وهي أشبه ببحث يوثقه لهذه المدينة « ديربورن « لكونه هو أحد المهاجرين وناشرا العديد من البحوث والدراسات عن العرب الأميركيين وتفاعلهم في الحياة السياسية الأمريكية .
« هنا مستقبلنا ، هنا مستقبل أبنائنا ، من يقول إنه سيعود إلى لبنان قريبا فهو واهم يغلب العاطفة على العقل « ص93
فشخصيات الرواية اغلبهم من النساء وهن البطلات ومنهم « هدى ، إلهام ، فندة ، نانسي « وغيرهم ،ومن شخصيات الرجالية ومنهم « شفيق ، حاتم ، خالها ، الأب ،فالمعروف عن السردية في أي رواية لها عناصر السرد في الرواية ، وهي تعتبر الأساس التي يبنى عليها ، أو هي الطريقة التي يتبعها الكاتب أو الروائي لتقديم أحداث روايته ،فقد أنطلق كاتبنا « العزير « وعن طريق بطلة الرواية « هدى « التي كانت رافضة للعديد من القيم المخبأة في داخلها ،وهي المراهقة التي أرادت ان تعرف بعض الأسرار ولكنها فؤجئت بعاصفة لم تكن تتوقعها من مدرستها ومديرة المدرسة ، وكانت لا تعي ما تقوله ، بقدر ما كانت تريد تعرف هذا اللغز المحير لها .فوجدت في أرض الإغتراب مساحة من الحرية فانطلقت من جسدها الذي طوقها في القرية وخبأته تحت روحها الحالمة ، لترفع عنه الأغطية في غربتها وتمارس دورها تحت وابل الحرية المتاح .هذا البوح السردي لدى الكاتب « العزير « الذي عمل عليه بكل جوارحه التي أوصلته الى عوالم كثيرة كي يقنع القارئ العربي بما يسطره من ملحمة مثيرة حول التناقضات الكبرى لدى النفس البشرية عموما والنماذج التي اختارها من
أهل لبنان وما يخبؤه ، يقول الناقد « حسن بزيع «
« تتكثف الاشارات والدلالات والرموز في تغريبة الروائي « محمد العزير « ليطوف بين الاماكن والمراحل والانفجارات الأهلية ، والازمات الاجتماعية والخيبات التي خلفتها الحروب والثورات ، راسما صورة وطن علق خشبة وكأن قدره أن يظل على الصليب «
وتقع الرواية في 318 صفحة من القطع المتوسط ، والصادرة عن دار الفأرابي ، وهذه الرواية التي اشتغل عليها المؤلف ،والذي حاول ان يتكئ على قراءات متعددة في مسيرة حياته عبر مخزون معرفي وثقافي تميز به لكونه عمل في عدة صحف عربية وامريكية .
« كان معظم الشيعة قد نزحوا عن بيوتهم وأراضيهم تباعا ، وعبروا المرتفعات الشاهقة والشاقة إلى مواطنهم الجديدة على السفوح الشرقية لسلسة الجبال الجرداء ووادي البقاع ، حيث لجأوا إلى اقارب وأنساب لهم سبقوهم إليها في خضم الحروب والصراعات المتتالية ص23
والشيء اللافت في هذه الرواية هو ان الكاتب قد أوجد لنا شخصيات قوية وخاصة شخصية « هدى « التي أراد منها الخروج عن العادات والتقاليد وهي متزوجة وأم لتذهب باقامة علاقة مع شخص أخر وتمارس معه الخيانة بحجة « الحب « الذي حرمت منه في قريتها ، ويعدها الكاتب في هذه الرواية انها فاعلة ومؤثرة وتلك من مهازل العصر الحديث ان تختلط المعايير والالفاظ في وصف التوجهات السلوكية للناس فالخيانة خيانة . بغض النظر عن الاسباب التي تدفع الشخص لممارستها .