الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الوطن فوق الإعلانات

بواسطة azzaman

الوطن فوق الإعلانات

عبد الله ياسين الجنابي

 

أصبح من المألوف أن نشاهد في شوارع مدننا لوحات إعلانية تروّج لفرص الحصول على جنسية بلد آخر، سواء عبر الاستثمار أو برامج الإقامة والهجرة. ورغم أن هذه الإعلانات قد تكون قانونية وتندرج ضمن نشاط تجاري مشروع، إلا أن عرضها في الفضاء العام يثير تساؤلات تتجاوز الجانب القانوني إلى البعد الوطني والاجتماعي.

الشارع ليس مجرد مساحة للبيع والتسويق، بل هو مرآة تعكس هوية المجتمع ورسائله الكبرى. وعندما تُرفع لوحة تدعو إلى “مستقبل أفضل” خارج الوطن، فإنها لا تبيع خدمة فقط، بل تبعث رسالة ضمنية مفادها أن الفرص الحقيقية قد تكون في مكان آخر. هذه الرسالة، خاصة حين تتكرر أمام الشباب والطلبة، قد تعمّق الشعور بعدم الاستقرار أو ضعف الثقة بالإمكانات المحلية.

القضية هنا ليست في تقييد حرية التعبير أو منع الأنشطة التجارية، بل في إدراك أثر الرسائل العامة على الوعي الجمعي. فالدولة التي تسعى إلى تعزيز الانتماء الوطني وبناء روح المبادرة تحتاج إلى بيئة بصرية وإعلامية تشجع على الاستثمار في الداخل لا الهروب منه.

وربَّ سائلٍ يقول: إن هذه الإعلانات موجودة أصلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، فما الفرق بين أن تُنشر على الإنترنت أو تُعرض في الشارع؟

الجواب أن الفارق جوهري. فالإعلان عبر الإنترنت يصل إلى من يبحث عنه أو من يقع ضمن دائرة اهتماماته، ويمكن تجاوزه أو حجبه بسهولة. أما الإعلان في الشارع فهو رسالة عامة مفروضة على الجميع؛ يراها الطالب في طريقه إلى جامعته، والعامل في ذهابه إلى عمله، والأسرة في تنقلها اليومي. إنه جزء من المشهد العام الذي يتشكل منه وعي المدينة وصورتها عن نفسها.

الفضاء الرقمي مساحة شخصية نسبياً، يختار فيها الفرد ما يتابع، بينما الفضاء العام ملك للجميع، وما يُعرض فيه يحمل دلالة رمزية تتجاوز طبيعته التجارية. لذلك فإن حضور هذا النوع من الإعلانات في الشارع يمنحه ثقلاً معنوياً أكبر وتأثيراً أعمق من مجرد منشور عابر على شاشة هاتف.

الحل لا يكون بالمنع وحده، بل بمعالجة الأسباب التي تجعل هذه الإعلانات جذابة، على سبيل المثال: تحسين فرص العمل ، دعم الشباب، وتعزيز الثقة بالمستقبل داخل الوطن. فعندما يشعر المواطن أن كرامته وفرصه محفوظة في بلده، لن تغريه أي لوحة مهما كانت وعودها براقة.

فالوطن، في نهاية الأمر، يجب أن يبقى فوق كل إعلان.

 


مشاهدات 62
الكاتب عبد الله ياسين الجنابي
أضيف 2026/02/22 - 2:42 PM
آخر تحديث 2026/02/23 - 8:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 292 الشهر 17936 الكلي 14949579
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير