بين الجواهري وتشارلي شابلن
وجيه عباس
في عام 1972 عاد تشارلي شابلن بعد عشرين عاما من المنفى، وقف جمهور الاوسكار على الفور، وصفقوا لمدة اثنتي عشرة دقيقة متواصلة، أطول تصفيق في تأريخ الاوسكار، ذرف الرجال البالغون الدموع، وتجمّدت اساطير هوليود في اماكنهم، وتوقف الحفل تماماً، بعد عقدين من الفراق، رحبت اميركا أخيرا بعودة أعظم فنانيها، لكن العراقيين بعد مرور ثلاثة عقود فوجئوا ان الجيل الاعلامي وسوق نخاسة الميديا ومواقع التفاصل الاجتماعي لم تجد مايذكّرهم برجالهم الحقيقيين الا بأن يقدموا الشاي كأي چايچي في كافيه له من الحداثة ما لحسنة ملص من الشرف.
الجواهري تعرض لتهديد من ضابط سوري وضع فوهة مسدسه على قلب الجواهري وكاد أن يقتله، قال في القصيدة الثانية بتأبين عدنان المالكي وفي ملعب دمشق:
أنــا العراقُ، لساني قلبهُ، ودمي
فراتُـــهُ، وكياني منهُ أشطارُ
هل تتوقعون حضوره مجددا ومشاهدة لقطة من غباء الذوق الاصطناعي وهو يقدم استكان شاي لمسؤول حكومي، فقط توقعوا ماذا يقول بوجوهكم؟ تقديم الشاي لايعيب أيّاً كان لو أن المسؤول كان ضيفا عليه، لكن ان يقدم الجواهري استكان شاي لرمز حكومي (حتى لو استنكر المسؤول فحوى المشهد حين شاهده)، الجواهري الذي لم يخف ملكا او حزبيا او رئيس وزراء سابقا طيلة حياته، يأتي بعض زعاطيط ال 2026 ليجعلوه چايچي أمام رئيس وزراء منتهية ولايته ويجرون ياقة نوري السعيد أمام حضرة رئيس برلمان سابق...هذا ليس إعلاما وإنما تهافت بالشعر ورمزه الكبير.
فكر سياسي
عمنا الجواهري ومعلمنا الجواهري ...اعتذارنا اليك، لكن «نغولة الباگلة» متأثرون بالفكر القومي السياسي الذي دست عليه بحذائك الطويل، هم يقصرون أمام اصابعك الطويلات حين تهش وجوههم كأي ذباب جاهل لم يتعلم سوى خربشة روحك وأنت نائم في مقبرة الغرباء قرب مرقد زينب ع، لكنك أبقى منهم، عتبي على الذين تربوا على مائدة الجواهري أنهم لم يثارون لك، كل موهوب ومحسود، وأمامَ من؟ الجواهري الذي يحسن التنقيش على الجميع فلا يطاولونه، فداء اسمك هذه المناصب التي تشبه السجائر.
الجواهري اعظم من المتنبي في داخلي، واكبر من تشارلي شابلن، الشاعر الذي اورث بنيه خلوده في المجامع، الذي عاش قرنا شعريا كاملا ولايزال حيا بين رفوف مكتبات العراق.
ربما نحن بجاجة الى «طرطرا» جديدة، لكنني على يقين أنك اقترنت بدجلة والفرات طينا سومريا قديما يجعل جلجامش يقدم لك استكان شاي مهيّل...لاتزعل على هذه المزعطة التي جعلتني اؤمن أننا نعيش في موزمبيق منذ جلجامش وحتى داخل حسن.