مشاهداتي من ميونيخ 2026.. عالم تحت التدمير والعراق بين الحياد وإدارة المخاطر
سيف الدين زمان الدراجي
أُختُتِمَ مؤخراً مؤتمر ميونيخ للأمن (MSC 2026) بدورته الثانية والستين، والذي انعقد في الفترة من 13 إلى 15 شباط 2026، في مدينة ميونيخ الألمانية، في توقيت دولي شديد الحساسية اتسم بتصاعد الاستقطاب الجيوسياسي وتزايد التشكيك بقدرة النظام الدولي على إنتاج حلول مستدامة. وقد بدت هذه النسخة أقرب إلى مرآة تعكس التحول البنيوي في البيئة الأمنية العالمية أكثر من كونها منصة تقليدية لإدارة الأزمات، إذ اتسعت فيها مساحة الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل الردع، ومصير التحالفات، وحدود فاعلية المؤسسات متعددة الأطراف، في ظل عالم تتداخل فيه الأزمات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية وحروب المعلومات.
جاءت الثيمة الرئيسية للمؤتمر منسجمة مع هذا الوضع القلق، فقد حمل تقرير ميونيخ للأمن لعام 2026 عنوان « تحت التدمير» (Under Destruction)، مُركزاً على المخاطر الناجمة عن صعود قوى سياسية وفكرية تفضّل «الهدم» على «الإصلاح»، وتتعامل مع المنظومات الدولية القائمة بوصفها هياكل بيروقراطية مفرطة وغير قابلة للإصلاح. هذا التوجه لا يعكس مجرد نقد للأداء، بل اتجاهاً متنامياً لتفكيك أدوات التعاون الدولي، بما يُضعف القدرة على إنتاج قواعد مشتركة ويُعمّق حالة التخبط والفوضى. وقد طُرحت في هذا السياق إشكالية محورية: إذا كانت القواعد التي بُني عليها النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية تتعرض للاهتزاز، فهل نحن أمام نظام جديد أم مرحلة انتقال طويلة تتسم بالاضطراب؟
تصدرت عدة ملفات أجندة المؤتمر، وكان من أبرزها مستقبل التحالف عبر الأطلسي. فقد ظهرت نقاشات حادة حول دور الولايات المتحدة والتحولات التي تمس أولوياتها، بالتوازي مع استمرار الضغوط على أوروبا لزيادة إنفاقها الدفاعي وتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها. وفي المقابل، برز محور «الاستقلالية الدفاعية الأوروبية» بوصفه اتجاهاً متقدماً، حيث تصاعدت الدعوات لتعزيز القدرات الدفاعية والتقنية الأوروبية للتعامل مع تهديدات لم تعد تقليدية فقط، بل تشمل الحرب الهجينة والهجمات السيبرانية والابتزاز الاقتصادي. كما ظل ملف أوكرانيا حاضراً بوصفه اختباراً لصلابة الردع وقدرته على الاستدامة، بالتزامن مع مشاورات مكثفة حول أزمات الشرق الأوسط ولا سيما غزة، ما عزز الانطباع بأن النظام الدولي يتعامل مع أزمات متزامنة تضغط على قدرة الدول والمؤسسات على ترتيب الأولويات.
واحتل السباق التكنولوجي والذكاء الاصطناعي موقعاً متقدماً في النقاشات، حيث جرى تناول التداعيات الأمنية للذكاء الاصطناعي المتقدم والأمن السيبراني وحروب المعلومات، مع تحذيرات من أن الجبهة الرقمية لم تعد ساحة مساندة للصراع، بل قد تتحول إلى ساحة حاسمة تستهدف البنى التحتية الحيوية وتؤثر في الرأي العام وصنع القرار. هذا النقاش يرتبط مباشرة بقدرة الدول على حماية مؤسساتها وخدماتها الأساسية ومنع خصومها من اختراق المجال المعلوماتي والتلاعب بقرارات المجتمعات.
وفي سياق التهديدات العابرة للحدود، برز خلال عدد من النقاشات الجانبية ملف حساس ذو صلة مباشرة بأمن العراق واستقرار الإقليم، يتعلق بمسألة نقل معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى العراق، حيث جرى التطرق إلى أن أكثر من خمسة آلاف معتقل تم نقلهم بالفعل. وقد قُدم هذا التطور بوصفه مؤشراً على تحوّل في مقاربة التعامل مع عبء الاحتجاز في شمال شرق سوريا في ظل هشاشة ترتيبات الحراسة والتمويل وتداخل الحسابات بين الفاعلين المحليين والدوليين. غير أن خلاصة مهمة طُرحت هنا مفادها أن نقل هذا العدد لا يعني انتهاء التهديد ما لم يُرفق بمنظومة متكاملة تشمل مرافق احتجاز محكمة، وإدارة استخبارية دقيقة، ومساراً قضائياً فعالاً يوازن بين سيادة القانون ومتطلبات الأمن، فضلاً عن منع التطرف داخل السجون وما بعدها، وتوسيع التعاون الدولي في تبادل المعلومات والدعم الفني.
وفي الملف الإيراني، اتسمت المداولات بنبرة حادة تعكس اتجاهاً نحو المواجهة والسباق النووي، مع تصور متزايد بأن الاتفاق النووي بات إرثاً من الماضي، وأن التركيز ينتقل إلى الردع المتكامل لمنع إيران من تجاوز عتبة التسلح النووي، ومخاطر صواريخها الباليستية. وفي الجلسات الجانبية تحديداً، تكرر نقاش سيناريو «إسقاط النظام» في إيران. ورغم وجود أصوات أمريكية تدفع باتجاه خيارات أكثر صدامية، إضافة إلى أطروحات معارضة، فإن غالبية التقديرات اتجهت نحو التحذير من أن إسقاط النظام قد يقود إلى فوضى واسعة بسبب غياب بديل قادر على إدارة الدولة أو الحكم في اليوم التالي، ما لم يحدث انقسام من داخل بنية النظام نفسه، خصوصاً عبر تحرك من قيادات نافذة في الحرس الثوري.
ومع بقاء هذه البنية متماسكة، فإن أي ضربة قد تُفضي إلى اضطراب إقليمي واسع، مع التأكيد على اختلاف الحالة الإيرانية جذرياً عن العراق عام 2003.
إن أهمية تواجدي في هذا المؤتمر تنبع من ضرورة حضور العراق في مثل هذه المنصات بوصفه طرفاً فاعلاً لا مجرد ساحة للأحداث.
فالعراق يقع في قلب التفاعلات الإقليمية، وأي اهتزاز في توازنات الشرق الأوسط، وبخاصة في الملف الإيراني وملفات الإرهاب، ينعكس عليه أمنياً وسياسياً واقتصادياً.
إن تمثيل العراق يتيح نقل أولوياته بوضوح، وتأكيد مصلحته في الاستقرار.
وشرح حساسية بيئته الداخلية وضرورة تجنيبه سياسات الاستقطاب والمحاور، مع بناء فهم أدق للتبدلات في السياسات الدولية.
وبالنسبة للعراق تحديداً، فإن أي تصعيد كبير مرتبط بإيران يفتح جملة مخاطر تتراوح بين اضطراب الحدود الشرقية وتباين المواقف الداخلية واحتمال استهداف مصالح أجنبية بشكل عشوائي بما قد يخلق توتراً داخلياً، فضلاً عن مخاطر اقتصادية على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد. لذا فإن الخلاصة التي تتسق مع المصلحة الوطنية العراقية هي أن الأولوية يجب أن تكون لتحييد الساحة العراقية وتعزيز الأمن الداخلي عبر ترسيخ منطق الدولة وضبط الإيقاع الأمني وتثبيت القرار الوطني بعيداً عن الانجرار إلى صدامات لا تخدم مصالح العراقيين. وفي عالم ينتقل من إدارة الأزمات إلى الاستعداد لعصر التفكك، تصبح المبادرة وبناء القدرة الوطنية وتحييد الساحة عنوان المرحلة المقبلة لحماية الدولة والمجتمع والاقتصاد من ارتدادات الإقليم وعواصف النظام الدولي الجديد.