الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراقي … ديفيد مارشال … رئيس وزراء سنغافورة 1955

بواسطة azzaman

العراقي … ديفيد مارشال … رئيس وزراء سنغافورة 1955

 حيدر عبدالجبار البطاط

 

في أزقة بغداد القديمة تضرب جذور عائلة مارشال في عمق الأرض العراقية.

ومن هذا الإرث الرافديني حمل ديفيد مارشال معه ( الجين العراقي ) الأصيل … الأنفة … الفصاحة … والقدرة العجيبة على هندسة العدالة في مجتمعات غريبة.

 

العراقي الذي صاغ هوية ( الأسد الآسيوي )

لم يكن مارشال مجرد عابر سبيل في تاريخ سنغافورة بل كان الزلزال الذي حطم قيود الاستعمار البريطاني.

بصفته أول رئيس وزراء منتخب لم يبع شعبه وعوداً فارغة بل زرع بذور ( الدولة المؤسساتية ).

لقد حمل في جعبته أخلاق ( ابن البلد ) الذي لا يساوم فكان محامياً يدافع عن المظلومين قبل أن يكون سياسياً يجلس على الكراسي.

لقد وضع مارشال اللبنة الأولى لما نراه اليوم من انضباط اقتصادي حيث أرسى مبدأ  ( السيادة للقانون لا للأشخاص ) وهو الحجر الأساس الذي بنى عليه ( لي كوان يو ) لاحقاً المعجزة السنغافورية.

 

استثمار العقول.. كيف ربحت سنغافورة وخسرنا؟

بينما كان العراق – للأسف – يمر بمراحل من الاضطراب التي لفظت كفاءاته كانت دول العالم ( تتصيد ) هذه الدرر العراقية.

مارشال لم ينجح لأنه ( محظوظ ) بل لأن النظام في سنغافورة آنذاك وبالرغم من كونه تحت الانتداب احترم العقل والنزاهة.

 

في سنغافورة عومل مارشال كقائد وطني رغم أصوله المهاجرة لأن المعيار كان ( ماذا ستقدم للوطن ) ؟؟

 

في واقعنا المؤلم يُسأل المبدع عن انتمائه أو حزبه أو مدى طاعته للفاسدين فإن تعفف… طُرد أو هُمّش.

 

الاقتصاد العملاق.. ثمرة النزاهة

يظن البعض أن الاقتصاد يُبنى بالأرقام فقط لكن مارشال أثبت أنه يُبنى بـالاستقامة.

عندما يكون رأس الهرم نزيهاً (كما كان هذا العراقي الأصيل) تصبح بيئة الاستثمار آمنة وتتحول الجزيرة الصغيرة الفقيرة إلى ميناء العالم ومصرفه الأول.

إن ( الاستثمار في العقول النزيهة ) هو العملة الصعبة التي تفتقر إليها الأوطان الجريحة وهي ذاتها التي جعلت من اسم مارشال رمزاً عالمياً.

 

ديفيد مارشال هو ( النموذج المختبري ) لما يمكن أن يفعله العراقي لو أُعطي القلم والمساحة.

 

العراق لا ينقصه النفط ولا المال بل تنقصه ( البيئة الجاذبة )

هكذا تفعل الدول الذكية تحتضن العقول تمنحها الثقة وتبني بها الأوطان.

 

لكن المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من العقول العراقية النزيهة العلمية والإدارية لم تجد بيئة تحميها أو تُقدّرها فهاجرت وأبدعت وصنعت مجدًا في عواصم أخرى.

بينما في الداخل كثيرا ما يُضيَّق على الكفاءات ويُهمَّش المصلحون وتُفتح الأبواب لمن يجيدون فنون الولاء لا فنون البناء.

ليست المشكلة في نقص العقول !!

فالعراق أنجب علماء ومهندسين وقادة رأي في كل بقاع الأرض.

المشكلة في منظومة لا تعرف كيف تميّز بين صاحب مشروع وطني وصاحب مشروع شخصي.

نحتاج إلى دولة تعتبر النزاهة رأسمالًا والكفاءة استثماراً والعلم أولوية.

نحتاج إلى بيئةٍ تحمي الخبير بدل معاقبته وتكافئ المصلح بدل محاربته.

قصة ديفد مارشال ليست للتفاخر العاطفي بأصوله بل لاستخلاص العبرة

العقل العراقي حين يُمنح فرصة عادلة يمكن أن يساهم في بناء معجزة اقتصادية.

فهل يأتي يومٌ يُستثمر فيه هذا العقل داخل العراق لا خارجه؟

وهل نتعلم أن طرد العقول واستقبال الفاسدين ليس قدراً  بل خيارٌ سياسي يمكن تغييره ؟؟


مشاهدات 85
الكاتب  حيدر عبدالجبار البطاط
أضيف 2026/02/22 - 3:18 PM
آخر تحديث 2026/02/23 - 1:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 51 الشهر 17695 الكلي 14949338
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير