إضطراب معادلة الحياة العراقية
ماهر نصرت
يمضي البلد اليوم في طريق وعر فيما يخص تدبير شؤون الناس وهو طريق لا يشبه الامس الذي عرفه العراقيون ولا يطمئن الى غد واضح المعالم فمنذ الازمنة البعيدة تشكلت الشخصية العراقية في فضاء من الكرم والسخاء وفي ظل حياة بسيطة الايقاع محدودة المطالب متوازنة الكلفة ، فقد كان البيت العراقي مهما ضاقت موارده يتسع للضيف ، وكانت الاسواق رغم تواضعها مستقرة في اسعارها ومفهومة في قواعدها لا تفاجئ الناس كل صباح بتشريع جديد او عبء طارئ ، فقد كان الاقتصاد وان لم يكن مزدهراً دائماً قابلاً للتوقع وكانت الحياة برغم صعوباتها قابلة للاحتمال .
أما اليوم فقد تغيرت البنية التي تقوم عليها تلك المعادلة وتعقدت الاجراءات وتكاثرت الالتزامات وارتفعت الضرائب الى مستويات تتجاوز قدرة الدخول الحقيقية للأفراد ، فلم تعد المسالة مجرد زيادة رقمية في جداول مالية بل تحولاً في فلسفة الادارة ذاتها اذ باتت الرسوم والغرامات أجراءآت دائمة الحضور في تفاصيل الحياة اليومية مثل الضرائب المالية المرتفعة المتبعة في الدوائر والرسوم الكمركية المفروضة على السلع المستوردة التي انعكست مباشرة على الاسعار في ظل غياب انتاج وطني قادر على المنافسة بعد أن اصبح السوق العراقي اسيراً للاستيراد الكامل فكل شيء تقريباً يأتي من الخارج حتى ابسط السلع الاستهلاكية التي كان يفترض ان تكون جزءاً من صناعة محلية مستقرة وحين تثقل كلفة الاستيراد ينتقل العبء فوراً الى المستهلك فتتآكل القدرة الشرائية وتتقلص مساحة الامان الاقتصادي .
وفي المشهد اليومي تتوالى التبليغات الرسمية التي تفرض غرامات على اصحاب السيارات والمحلات والمساكن في سياق لم يألفه المجتمع بهذا الاتساع .
أن التاجر الصغير الذي كان يحسب ربحه على هامش محدود بات يواجه احتمالات خسارة راس ماله في اي لحظة والمستثمر المتوسط الذي كان يعيد تدوير ارباحه داخل البلد بدا يفكر في نقل امواله الى بيئات اقل مخاطرة واكثر استقراراً فهجرة رأس المال ليست احتمالاً نظرياً بل أصبحت نتيجة طبيعية لبيئة تتسم بارتفاع الكلفة وتراجع الربحية وغموض الافق ومع كل مشروع يغلق وكل محل يطفئ انواره تتسع دائرة البطالة ويزداد الضغط على الاسر التي صارت بالكاد تحافظ على توازنها .
والاخطر من الارقام هو التحول الاجتماعي الكامن خلفها فحين تتراكم الاعباء وتتراجع الموارد ينكمش العطاء الذي يولد فيه الكرم لا لان العراقي فقد صفته المتجذرة في العطاء بل لان الضرورة تعيد ترتيب الاولويات بقسوة لتبدأ ملامح فقر جديد في الظهور ، فقر لا يقتصر على الدخل بل يمتد الى الشعور بالآمان والى الثقة في استقرار الغد ومع اتساع الفجوة بين الالتزامات والقدرة تدخل اسر كثيرة مضمار حياة جديدة لم تختبره من قبل ، حياة تتطلب قدرة عالية على التكيف وقد لا تملكها جميعها فتزداد مشاكل الاسر وتزحف نحو الفقر بالتدريج الذي ينعكس سلباً على الصورة العامة لاستقرار المجتمع .
ان اي اصلاح لا يوازن بين موارد الدولة وقدرة الناس ولا ينهض بإنتاج وطني يخفف الاستيراد سيظل اصلاحاً ناقصاً يراكم الضغوط اكثر مما يخففها وبين طبيعة الماضي البسيط وواقع الحاضر المعقد يقف الناس على مفترق حاسم ، اما اعادة بناء توازن يضمن الاستمرار او انزلاق تدريجي نحو مرحلة تزداد فيها حالات الفقر والحرمان وتتعثر فيها اسر لم تعد قادرة على المقاومة .
وهكذا تتشكل ملامح الطريق الصعب الذي ندخله وهو ليس احتمالاً بعيداً بل واقعاً صار يتقدم بخطى ثابتة في تفاصيل حياتنا اليومية .... للأسف الكبير .