الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
يوسف عزّ الدين… قنديلُ البحث ونبضُ الأدب


يوسف عزّ الدين… قنديلُ البحث ونبضُ الأدب

محمد علي محيي الدين

 

وُلد الدكتور يوسف عزّ الدين أحمد السامرائي في مدينة بعقوبة سنة 1922، في بيئةٍ ريفيةٍ تتجاور فيها مدارس الصباح مع ظلال النخيل، وتتشكل فيها أول بذور المعرفة في روح طفلٍ سيغدو لاحقًا واحدًا من أعلام العراق. هناك أكمل دراسته الابتدائية، ومنها انتقل إلى دار المعلمين، ليتخرج معلّمًا في الثلاثينيات وبدايات الأربعينيات، يجوب قرى ديالى، وينقل إلى تلاميذها معرفةً متواضعة في ظاهرها، لكنها كانت الشرارة الأولى لرحلته الطويلة مع العلم.

ومع نهايات الأربعينيات انتقل إلى بغداد مدرسًا، فكانت العاصمة بمنابرها الأدبية ودوائرها الثقافية فضاءً أوسع لرجلٍ تطمح روحه إلى المزيد. لم يكتفِ بالتدريس، بل قرّر أن يهب العمر كله للدراسة والبحث، فشدَّ الرحال إلى جامعة الإسكندرية، حيث نال الليسانس بدرجة الشرف سنة 1950، ثم الماجستير بدرجة الشرف أيضًا سنة 1953، وهو ما دلَّ منذ وقت مبكر على تميّزه العلمي وطاقته البحثية. وبعد سنوات دراسية مثمرة، توجه إلى لندن، فالتحق بجامعتها، ونال الدكتوراه في الآداب عام 1957، عائدًا إلى العراق محمّلًا بثقافة موسعة ومنهج أكاديمي عميق سيترك بصمته في الدراسات الأدبية الحديثة.

عاد يوسف عزّ الدين إلى بغداد ليدخل كلية الآداب بجامعة بغداد أستاذًا للأدب العربي، يتدرج في الدرجات العلمية حتى يصل إلى مرتبة الأستاذية، ثم يتولى منصب معاون العميد. ولم تلبث جهوده أن لفتت أنظار المجمع العلمي العراقي، فانتُدب إليه سكرتيرًا عام 1963، ثم اختير عضوًا عاملاً سنة 1964، ليتولى منصب الأمين العام للمجمع حتى عام 1973، محتفظًا بعضويته حتى سنة 1993. وقد أتاحت له طبيعة عمله في المجمع أن يصبح عضوًا مراسلاً في مجامع اللغة العربية في القاهرة ودمشق، وعضوًا مؤازرًا في مجمع اللغة العربية الأردني منذ 1980، وعضوًا في المجمع العلمي الهندي، وجمعية الأدب المقارن في باريس، والجمعية الملكية للآداب في لندن، وجمعية الأدب الحديث في أمريكا، وبيت الحكمة في تونس، فضلًا عن كونه رئيسًا لجمعية المؤلفين والكتّاب العراقيين.

لم يكن وجوده في الجامعة والمجمعات العلمية وجودًا شكليًا، بل كان حضورًا فاعلًا. فقد حاضر في جامعات العراق والعالم، من الهند إلى الصين، ومن ألمانيا إلى الجامعات العربية، وتولى عمادة الدراسات العليا في جامعات الإمارات والرياض والطائف خلال الفترة بين 1979 و2001، كما عمل محاضرًا في معهد الدراسات العليا التابع للجامعة العربية في الستينيات، وشارك في مؤتمرات عالمية للمستشرقين والأدباء في فايمار وطشقند وبكين، ورأس تحرير مجلة "الندوة" في بغداد، ومجلة كلية الآداب في جامعة العين.

عرفته في منتصف سبعينيات القرن الماضي حين كان عضوًا في المجمع العلمي العراقي، وكان آنذاك منهمكًا في مشروع جمع ديوان الدكتور عبد الرزاق محيي الدين الذي تناثرت قصائده بين الصحف والمجلات والكتب. وقد قطع في هذا المشروع شوطًا واسعًا، وأسهمت بدوري في عمله، لكن ضياع العديد من القصائد، ورغبة الشاعر نفسه بعدم نشر ديوانه، حالت دون إتمامه. كان عزّ الدين في تلك الأيام مثالًا للباحث الدؤوب الذي لا يعرف الراحة، يقضي جل وقته في التحقيق والبحث، ويعمل في أكثر من واجهة: في الجامعة، وفي المجمع، وفي جمعية المؤلفين والكتّاب، وفي النشاطات الثقافية التي لم يتخلّف عن المشاركة فيها يومًا. وكان إلى جانب جهده العلمي صافي السريرة، لطيف المعشر، رقيق التعامل، مما جعله محبوبًا عند كل من عرفه عن قرب.

ويحفظ الشعراء له ذكريات لا تُنسى، من بينها ما رواه الشاعر الرقيق خالد الشوّاف الذي التقاه في لبنان أثناء طبعه لأحد دواوينه، وطلب منه اختيار عنوان مناسب للديوان. يقول الشواف إنه قرأ بعض القصائد، فاستوقفه شطر يقول: "ما هو إلا من لهاث الحياة"، فاقترح –مازحًا– أن يكون العنوان "لهاث الحياة"، فتهلّل وجه عزّ الدين سرورًا، ومضى بالعنوان إلى المطبعة، وصدر به الديوان سنة 1960 في لبنان.

وليوسف عزّ الدين وجه آخر غير وجه الباحث الأكاديمي، فهو شاعر ومسرحي أصدر عدة دواوين شعرية، وكتبت عن تجربته الشعرية بحوث متعددة، وصدر عنه عدد من الكتب في العراق ومصر والسعودية. وقد أتقن ثلاث لغات: العربية والإنكليزية والفرنسية، وترك ما يقارب خمسين كتابًا في التأليف والتحقيق والترجمة، من بينها كتب تعدّ من المراجع الرئيسة في الأدب العراقي الحديث مثل: الشعر العراقي في القرن التاسع عشر، والرواية في العراق، وتطور الفكر الحديث في العراق، والحركة الفكرية في العراق، وفصول في الأدب الحديث والنقد، وقضايا الفكر العربي، وغيرها. وكان من أهم أعماله التحقيق العلمي الدقيق لكتاب الرصافي يروي ذكرياته، وهو من المخطوطات النادرة التي وثّقت السنوات الأخيرة من حياة الرصافي، وقد حققه عزّ الدين عن ثلاث نسخ مختلفة، ليصبح الكتاب لاحقًا من أهم المراجع الرصافية التي أعيد نشرها مرات عديدة.

وإلى جانب هذا كله أصدر روايات وقصصًا، وشارك في صياغة المشهد الأدبي العراقي بتنوع لافت، يندر أن يجتمع في شخص واحد. فلم يكن مجرد باحث أكاديمي، بل كان موسوعي الثقافة، متعدد المواهب، يمتلك منهجًا دقيقًا في التوثيق والتحليل، يشهد له به النقاد والدارسون.

وبعد سنوات طويلة من العطاء، اختار أن يقيم بعد تقاعده في مقاطعة ويلز البريطانية، حيث واصل بحوثه وكتاباته بروح الباحث الذي يرى في المعرفة رسالة لا تنتهي. وهناك، في مدينة كارماذن، رحل في الثامن من نيسان عام 2013، ودُفن في مقبرة المسلمين في مدينة سوانزي إلى جوار زوجته، تاركًا خلفه إرثًا ثقافيًا واسعًا.

وقد كتب عنه كثير من الباحثين، فمنهم من رأى فيه صاحب منهج دقيق يعتمد على التوثيق والتحليل واستقصاء المعلومة، كما ذكر عامر هشام الصفار، ومنهم من عده علامة بارزة في ربط الأدب بالظروف الاجتماعية والسياسية كما فعل وليد العبيدي، ومنهم من وصفه بأنه أحد كبار العلماء الذين أغنوا الحركة الفكرية والأدبية بعشرات الكتب، مثل الدكتور إبراهيم الحيدري، فيما ذهب الأستاذ شكيب كاظم إلى القول بأن يوسف عزّ الدين ملأ دنيا الكتابة والبحث والتنقيب، وطرق كل الأبواب الأدبية بقدرة نادرة.

وهكذا تتجمع خيوط حياته الطويلة في صورة مثقف موسوعي، عاش للأدب والفكر، وترك وراءه أثرًا لا يُمحى في ذاكرة العراق الثقافية. لم يكن مجرد اسم في قائمة الباحثين، بل كان روحًا محبة للعلم، وقلمًا لا يعرف التوقف، وعقلًا يستظل به الدارسون والباحثون حتى اليوم.

 

 

 


مشاهدات 32
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/02/21 - 1:15 AM
آخر تحديث 2026/02/21 - 2:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 15978 الكلي 14947621
الوقت الآن
السبت 2026/2/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير