الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مقامة التلوّث والآمالِ الموؤودة

بواسطة azzaman

مقامة التلوّث والآمالِ الموؤودة

ياسين الحديدي

 

مختصرمن رسالة الاستاذ صباح الزهيري صاحب المقامات

حقيقةُ الوباء : الفسادُ كالهواء , لكنَّ غافلاً منهم فاتهُ أمرٌ عظيم , وخطبٌ جسيم , إنَّ الفسادَ في تلك الربوع لم يك طارئاً يزول , بل صارَ ريحاً صرصراً تجول , لقد عمَّ الوباءُ حتى شملَ الرداءَ والبدن , واستشرى (داءُ الفساد) في مفاصلِ الزمن , فيا ويحَ قلبي , كيفَ نضمنُ أنَّ مَن بَعُدَ عن الكرسيِّ بالأمس , لم يَتلوث بصدئه في الهمس؟ وكيفَ نؤمنُ لليسارِ طهارةً , وقد صارَ الفسادُ في الديارِ تجارة ؟ إنَّ العفنَ إذا طالَ الجذور, لم تسلم منهُ الثمارُ وإن زَهت بالظهور .

عدوى بيئية

 غاب عنا  أن الداء لم يعد فعلاً عابراً , بل صار (عدوى بيئية ) لا تنذر ولا تذر, فالفساد في ديارنا لم يعد خياراً يتخذه المرء , بل صار (هواء) يستنشقه الصالح والطالح , فمن رفض التلوث به اختنق وأُقصي , ومن سايره نجا ببدنه وهلكت مبادئه , إنها بيئة تفرض قوانينها القسرية , حيث يُصبح (النقاء ) فيها عجزاً , و النزاهة ) غُربة , مما يجعل الرهان على نظافة القادمين رهاناً على سمكة تسبح في بحيرة من زيت , فكيف لها ألا تتلوث ؟ فيا أيها الراجي طهارةً في بئرٍ مسمومة , اعلم أنَّ الخلاصَ لا يأتي بتبديلِ الوجوهِ المكلومة , بل بتنقيةِ المَنبع , وتطهيرِ المَرتع , فما فائدةُ الميزانِ إذا كانَ القائمُ عليهِ يخشى السجان , أو يطمعُ في الصولجان ؟   , إن الماكنة التي تُدير شؤون البلاد قد صُممت لتعيد إنتاج السواد مهما كان لون الثوب الذي

وعلى الرائي ألا يغفل عن (دور العوام) أنفسهم في هذا المشهد الدرامي , فهم الذين ينفخون في الرماد ليصنعوا منه صنمًا جديداً يعبدونه , ثم يلطمون الخدود إذا ما استبد بهم , إن العوام الذين يطالبون بالنزاهة هم أنفسهم الذين يبحثون عن (الواسطة) في شؤونهم الصغرى , ويصفقون للزعيم الذي يمنحهم فتاتاً من حقوقهم المنهوبة , فالتلوث لم يقف عند عتبات القصور , بل تسلل إلى النفوس التي باتت تطلب الخلاص من الخارج وهي غارقة في ازدواجية المعايير , لتظل الدائرة مفرغة : شعب يصنع الطغاة بآماله الساذجة , وساسة يقتاتون على جهل من يظن أن ( اللون ) السياسي كفيل بغسل أدران التاريخ.   فلا يبررُ فسادَ اليومِ عَفنُ الأمس , ولا يُغطى ضوءُ الحقيقةِ بكفِّ الشمس , إنَّ ليلَ العراقِ طويل , وقد تداولتهُ يدُ القالِ والقيل , كان القومُ يبحثون عن ( مُنتشِلين)  من الغرق , فإذا بهم لا يحظون إلا بـ ( نشّالين) في الغسق ,  واسمعوا الفرقَ بين العهدين , لتعرفوا أين وقعَ الحيفُ على الرافدين : في الغابرِ من الزمان ,  كان هناك ( فسادٌ للنظام )  حيثُ الدارُ ملكٌ لصاحبها , والخزينةُ جيبٌ لربّها , كان السارقُ يسرقُ من (جيبِ السلطان ) ،فما كان السلطانُ يتسامحُ مع من يشاركهُ في الصولجان , بل يَهبُ (المكرمات) مَنّاً وسلوى , ليحصرَ الجورَ في يدهِ قصراً وجدوى , فكان الفسادُ مَحجوراً في رقعةٍ ضيقة ،كأنه مِلحيةٌ في يدِ طاغيةٍ مُحرقة.

بُنيةُ المحاصصة

 أما في الحاضرِ من الأيام ,  فقد انقلبَ السحرُ على الساحر , وصرنا أمام (نظامٍ للفساد) فاجر , لم تعد الدولةُ مِليةً لواحد , بل صارت (مائدةً ) لكلِّ حاقدٍ وجاحد , إنها (بُنيةُ المحاصصة) اللعينة , التي وزعت أشلاءَ الوطنِ الثمينة , فصارت الوزاراتُ في ( المزادِ السياسي) تُباع , وتوزعت المقدراتُ بين الفصائلِ والأتباع , هل سمعتم يا سادة بوطنٍ يُباعُ بالقطعة ؟ وتُقسّمُ فيهِ الضمائرُ بالجرعة ؟ فصارت الوزارةُ ملكاً للوزيرِ وحزبه , وعائلتهِ وصحبه , يشتري بها الولاء , ويوزعُ من ( الحرامِ ) عطاءَ البلاء. , فإذا كان الفسادُ الحالي استمراراً لما سلف , فوا أسفاه على ما ضاعَ وما تلف , وقولوا لمن يبرر,  إذا كان الخلفُ كالسلفِ في الرداءة , فما ميزةُ (البديل ) وما وجهُ الكفاءة ؟ ولماذا جئتم بوعودِ الإصلاحِ والعدل , إذا كان مآلُكم هو مآلُ أهلِ الجهل , , فالبحرُ مالحٌ أجاج , ولا يُصلحُ ماءَه تبديلُ الزجاج.

 إنَّ العلّةَ ليست في الثوبِ بل في الجسد , ولا في الركابِ بل في الصيدِ والطرد , إنَّ مَن يرتجي خلاصاً , وهو يغضُّ الطرف عن  الفساد ) الذي صار رصاصاً , كمن يرجو من الذئب أن يحرسَ القطيع ,إنَّ العِبرة ليست بمَن يجلسُ على الكرسي , بل بقوائمِ الكرسيِّ التي صُنعت من عظامِ المحاصصة .

(فلا يغرنكم صبغ الجدران والأساس مائل , ولا يخدعنكم صفاء الماء والمنبع حائل )

 


مشاهدات 26
الكاتب ياسين الحديدي
أضيف 2026/02/18 - 2:51 PM
آخر تحديث 2026/02/19 - 6:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 242 الشهر 14702 الكلي 13946346
الوقت الآن
الخميس 2026/2/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير