الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ذي قار تحمي مواطنيها من "خطر القراءة "


ذي قار تحمي مواطنيها من "خطر القراءة "

احمد جاسم الزبيدي 

 

في خبرٍ يصلح لأن يُدرّس في مادة "الخيال السياسي المعاصر"، أُعلن عن منع مهرجان للكتاب في محافظة ذي قار، واحتجاز أحد الناشطين المشاركين فيه. هكذا، ببساطة، عاد "الكتاب" ليُصنَّف كجسمٍ مريب، وربما قابل للاشتعال… فكرياً.

منذ متى أصبح الورق خطراً إلى هذا الحد؟

منذ متى صار القلم مشروع فتنة، والرواية مؤامرة، وديوان الشعر خلية نائمة؟

ربما لأن الكتاب – بخلاف الخطب الرنانة – لا يصرخ، بل يُفكّر.

وربما لأن المهرجان – بخلاف المهرجانات السياسية – لا يوزّع شعارات جاهزة، بل يوزّع أسئلة.

ذي قار… أرض الكتابة الأولى

في ذي قار قامت مدينة أور، حيث خُطّت أولى ألواح الطين، وحيث تعلّم الإنسان أن يُدوّن خوفه وحلمه وصلاته وضرائبه أيضاً.

هناك، في الجنوب العراقي، وُلدت الكتابة المسمارية، أي أن "الكتاب" ليس ضيفاً على هذه الأرض… بل هو ابنها الشرعي.

فأي مفارقةٍ هذه؟

أن يُمنع مهرجان كتاب في أرضٍ اخترعت الكتابة!

لو قُدّر لأحد الكتبة السومريين أن ينهض من رقدته، لربما سأل بدهشة:

"هل ضاق صدر أحفادي بما وسع ألواحنا الطينية قبل خمسة آلاف عام " ؟

 

أمن ثقافي… أم ثقافة مؤمَّنة ضد الحرية؟

في مثل هذه الوقائع، تُرفع دائماً لافتة "المصلحة العامة" .

والمصلحة العامة – كما يبدو – تتحقق حين يبقى الناس بعيدين عن الكتب، قريبين من الشاشات، مطمئنين إلى ما يُملى عليهم.

فالكتاب خطر، لأنه:

•  لا يُلقّن، بل يُناقش.

•  لا يُصفّق، بل يُفكّك.

•  لا يُهدّد الأمن، بل يُهدّد البلادة.

أما احتجاز الناشط ايمن عمار بقرار امني بسبب نشاط ثقافي ومصادرة 1000كتاب ، فربما كان إجراءً احترازياً ضد "عدوى القراءة". تخيّلوا لو انتشرت!

شاب يقرأ، فيتبعه آخر، ثم تُقام ندوة، ثم تُطرح أسئلة… ثم ماذا؟

قد نصل – لا سمح الله – إلى مجتمع يفكّر!

 

المهرجان الذي خافوا منه

مهرجان كتاب ليس دبابة.

لا يقتحم، لا يحاصر، لا يصدر بيانات نارية.

كل ما يفعله أنه يجمع كتّاباً وقرّاءً وأحلاماً على طاولة واحدة.

لكن ربما كانت المشكلة في أن الطاولة مستديرة،

ولا يوجد فيها "رأس" واحد يحتكر الحقيقة.

 

بين المنع والاحتجاز… سؤال أكبر

ليست القضية مهرجاناً عابراً،

ولا ناشطاً يُطلق سراحه بعد حين.

القضية أعمق: ما الذي يخيف في الكتاب؟

هل هو التاريخ الذي يذكّر؟

أم الفلسفة التي تُحرج؟

أم الشعر الذي يفضح هشاشة السلطة حين يهمس:

"الكلمة أبقى"؟

 

لو أردنا أن نكتب لافتة مناسبة للحدث، لربما كتبنا:

"ممنوع إدخال الكتب… حفاظاً على السلامة الفكرية العامة" .

لكن الحقيقة أبسط من كل السخرية:

المجتمع الذي يخاف من كتاب،

سيخاف لاحقاً من فكرة،

ثم من سؤال،

ثم من نفسه.

وفي أرض أور،

حيث بدأ الإنسان رحلته مع الحرف،

يبقى المنع حادثة عابرة،

أما الكلمة… فباقية.


مشاهدات 67
الكاتب احمد جاسم الزبيدي 
أضيف 2026/02/16 - 3:41 PM
آخر تحديث 2026/02/17 - 1:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 83 الشهر 12849 الكلي 13944493
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير