مشاهدات من أرض الكنانة
قصر القبّة في مصر بناهُ الخديوي إسماعيل
رعد أبو كلل الطائي
قصر القُبة هو أحد أهم القصور الملكية في عصر أُسرة محمد علي باشا، ويقع في منطقة سراي القُبة بالقاهرة ويبعدُ القصر عدة كيلو مترات شمال شرق القاهرة، وكانت تحيط به الحقول الزراعية والقرى الريفية، ويمتد من محطة مترو سراي القُبة حتى محطة كوبري القُبة، وقد تحول إلى أحد قصور رئاسة الجمهورية بعد ثورة 23 يوليو عام 1952، وقد بُنيَ القصر في عهد الخديوي إسماعيل على أطلال منزل قديم يعود لوالدهِ إبراهيم باشا، وأستمر البناء ست سنوات، إذ بدأ العمل في إنشائه عام 1867 وأنتهى في أواخر عام 1872، وأُفتتحَ القصر رسمياً في يناير عام 1873 في حفل زفاف أبن الخديوي إسماعيل الأمير محمد توفيق ولي عهد الخديوي، ليرتبط القصر فيما بعد بحفلات الزفاف والأفراح الأسطورية للعائلة الملكية، ويُعدُ القصر من أكبر القصور الملكية من حيث المساحة إذ تصل مساحته إلى 190 فداناً تقريباً، وسُميَ هذا القصر نسبةً إلى قصر قديم من عصر المماليك يُعرفّ بمبنى القُبة إذ أحاطت به بحيرة مائية كانت مقصداً لكثير من أبناء العائلات الميسورة والطبقة الراقية للصيد والتنزه وتضمُ حدائق القصر مجموعة من الأشجار والنباتات ترجع إلى عصر الخديوي إسماعيل .
أُتخذ القصر في زمن الملك فؤاد الأول مقراً لإقامته منذ عام 1925 وشَهِدَ العديد من حفلات الزفاف الخاصة بأُمراء وملوك الأُسرة، ومنها حفلة زواج الملك فاروق من الملكة فريدة في يناير عام 1938، كما شُيعتّ في القصر جنازة الملك فاروق في عام 1936، وأُعتبرَ في عهدهِ هو وقصر عابدين من القصور الرئيسية للحكم، وشَهِدَ القصر أيضاً أول خطاب مُسجل للإذاعة المصرية للملك فاروق من داخل هذا القصر في يوم 8 مايو من عام 1936 بعدَ عودتهِ من أنكلترا عقِبَ وفاة والدهِ الملك فؤاد، في حين كان القصر مقر لإقامة شاه أيران محمد رضا بهلوي بعدَ لجوئه السياسي إلى مصر عام 1979 .
زيارة القصر
قصر القُبة مفتوحٌ للزيارة ولكن ليس بشكل دائم أو عامةً، بل يتطلب الحصول على تصاريح خاصة من خلال تنظيمات أو مجموعات سياحية، وتُفتتح أبوابهُ في اوقات مُحدودة للجمهور ضمن فعاليات أو رحلات سياحية،مثل (رحلات الحضارة)، وسعر التذكرة 20 جُنيهاً للأفراد و5 جُنيهات للأطفال، وصعدتُ من ميدان التحرير بحفلات رحلات الحضارة بأتجاه قصر القُبة الذي يقع في منطقة سراي القبُة، بالمنطقة الشمالية للقاهرة وبعدَ قُرابةَ نصف ساعة كنا أمام القصر الذي يتربع في (حي الأميرية)، وترجلنا مِنّ الحافلة، وكان بصُحبتِنا كما في كُلِ مرة الدليل والمندوب السياحي للرحلة، ودخلنا القصر، وأخذنا نتجول في داخلهِ، ودليلُنا راح يتحدث عن حيثيات القصر قائلاً :
يضُم القصر 500 غرفة، ومكتبة بِها 55 ألف كتاب، وإن أهم ما فيهِ الصالون الأبيض، وغرفة الملك فاروق، وصالون قناة السويس، والقاعة البيزنطية، وقاعة العرش، وصالة الطعام، كما يحتوي حجرة البلياردو التي أهدتها الإمبرطورة أوجيني للخديوي إسماعيل، وجناح الحرملك الذي يضُمً مجموعة من التُحف والتماثيل والسجاد والساعات المُحلاة بالذهب، وأحتفظ الملك فاروق بمجموعاته الخاصة في القصر، وضمت محتوياته مجموعة نادرة من الطوابع والساعات والمجوهرات منها، بيضة فيبرجيه والتي كانت تخص آخر قياصرة روسيا فضلاً على العديد من التُحف الأخرى، وإن معظم هذه الأشياء بيّعتّ في مزاد علني عام 1954، حضرهُ الكُثر من المهتمين بينهم مندوبون عن الملكة إليزابيث الثانية وأمير موناكو، وفي فترة حُكم الخديوي توفيق أصبح القصر الذي ولِدَ فيه مكاناً لأفخم الأحتفالات وحفلات الزفاف الملكية، وكان زائروهُ يُعبرون عن شديد أعجابِهم بحدائقهِ الغناء، وخلال فترة عباس حلمي الثاني صار القصر وحدئقهِ يُضاهي قصر عابدين الرسمي، وحين أعتلى الملك فؤاد الأول عرش مصر عام 1917، أمسى القصر مقراً لإقامة الملكية الرسمي، وعِندَ فترة إقامتهِ فيه أمر بإضافة عدة تغييرات على القصر، منها إضافة سور بأرتفاع ستة أمتار، حول 75 فداناً من الأراضي، وبناء بوابة جديدة وحديقة خارجية للقصر كما أُضيفت محطة سكك حديدية للقطار الملكي، إذ كان الزوار يأتون مباشرةً للقصر سواءٌ من الإسكندرية أو من منطقة مصر المركزية للقطارات في القاهرة، وقد شُيعتً جنازة الملك فؤاد الأول من القصر في عام 1936 .
حدائق القُبة
وبعد زيارة عددٍ من غُرف وأجنحة القصر ومحتوياتهِ، أصطحبنا مُرشدُنا السياحي نحو حدائق القُبة، وهي تقع في أحد أحياء العاصمة المصرية بالقاهرة، وكانت هذه الحدائق تسكنُها، كما يوضحُ لنا المُرشد، طبقة الباشاوات والأثريات المصريين والأجانب ورجال الحُكم، وعُرفَ عنها بكثافة الأشجار والحدائق والأحراش المحيطة بالقصور الكبيرة، وأشار أما شارع مصر والسودان فكان أسمُهُما القديم شارع ملك مصر والسودان، إذ كان يسكن في نهايتهِ الملك فاروق الأول وحتى عهد جمال عبد الناصر كان الطريق الرئيسي لهُ يمُرُ بهِ إلى الجانب الآخر من المدينة، وفي ذلك العهد لم يكُن المسموح بتاتاً فتح محال تجارية أو شركات في هذا الطريق، وبينَ لم تقف أعمال تعمير المنطقة عند إقامة قصر القُبة.
إذ تألفت شركة حدائق قصر القُبة عام 1908 لتعمير منطقة مساحتُها مائة فدان وتتولى تقسيمها، وأنشأت شارعاً يخترق أراضيها عُرضهُ 16 قدماً، كما أنشأت عدداً من الشوارع تتفرع منه وأنتعشت بسرعة أعمال البناء والأعمار التي قامت بها الشركة أو الأفراد حتى أتصلت القُبة بقلب القاهرة، وأشارَ إلى أتجاه كبار القوم والتجار والأغنياء إلى بناء قصورهم وبيوتهم بالقرب من القُبة، وأمتازت هذه الفلل والبيوت بكثرة الحدائق المُزهرة الغناء، و زادَ إلى إن هذا الحي أصبحَ الآن يضُمُ مناطق حدائق القُبة، وكوبري القُبة وحمامات القُبة، وسراي القُبة، وكُلُها بدأت تنتسب لتلك القُبة التي أنشأها الأمير الدوا دار، والذي يوجد شارع بإسمهِ في المنطقة (شارع الدوا دار) .
وفي ختام مسكُ حديثي إقول :
إن حدائق قصر القُبة تُعتبر من أجمل حدائق العالم، وتكون مع القصر وحدة عالمية تجمع بين جمال بناء القصر وجمال وتنسيق الحدائق المُزهرة والمُثمرة، وهناك تشابه في اللمسات الفنية والمعمارية بين قصر القُبة وقصر رأس التين في الإسكندرية الذي بناهُ محمد علي باشا، والغريب في الأمر إن الخديوي إسماعيل عرض هذا القصر يوماً ما للبيع في عام 1893 بكل محتوياته من مبانٍ، وأرضهِ على اساس 20 جُنيهاً للفدان وبذلك يصبحُ ثمن الكل مليون و237 ألف و60 چُنيهاً، أما ثمن القصر فقد طلب الخديوي إسماعيل 50 ألف جُنيهاً ثمناً لهُ، ولظروف ما لم تتم عملية البيع .
وسُميَ القصر بالقُبة نسبةً إلى زاوية الخصر التي تقع تحتها والتي أتخذتً موقُعُها ذاك منذُ الفترة الأيوبية، وتذهب بعض الدراسات التأريخية إلى إن هذه القُبة تعود للفترة المملوكية، وهناك مَنّ يقول إنها من الفترة العثمانية وذلك حسب شهادات تأريخية تُنسب إلى أبن الفضل العُمري وإلى شمس الدين السيوطي، وبعدَ عملية التطوير الشاملة لقصر القبُة أصبح القصر ومنذُ عام 2002 قاعةً للحفلات ومركزاً ترفيهياً .