الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سوريا ما بعد الإندماج القسري.. تسوية أمنية أم تصفية سياسية ؟

بواسطة azzaman

سوريا ما بعد الإندماج القسري.. تسوية أمنية أم تصفية سياسية ؟

آريان ابراهيم شوكت

 

تعيش سوريا اليوم واحدة من أكثر لحظاتها السياسية تعقيدًا منذ عام 2011، في ظل تسارع التطورات الإقليمية والدولية، وعودة قنوات الاتصال بين أطراف كانت حتى وقت قريب في حالة قطيعة أو صدام مفتوح. ويأتي الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) كحدث مفصلي، ليس فقط في مسار الصراع السوري، بل في مستقبل القضية الكُردية، وشكل الدولة السورية القادمة، ودور القوى الإقليمية والدولية التي ما تزال تمسك بخيوط أساسية من المشهد.

هذا الاتفاق، الذي وُصف بأنه «أمني–سياسي» في آنٍ معًا، فتح الباب واسعًا أمام أسئلة كبرى: هل نحن أمام بداية تسوية حقيقية؟ أم تفاهم مرحلي فرضته موازين القوى؟ وما هو مصير الإدارة الذاتية الكُردية؟ وكيف تتحرك تركيا من خلف الستار؟ وأين تقف الولايات المتحدة وأوروبا؟ وما دلالات الحراك السياسي الذي شمل واشنطن، شمال سوريا، وإقليم كُردستان العراق؟

أولًا: الاتفاق بين دمشق و«قسد»… الضرورة لا القناعة ؟

تلاقي الضرورات

من الواضح أن الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية لم يكن نتاج تقارب أيديولوجي أو ثقة سياسية، بل نتيجة تلاقي الضرورات.

دمشق، التي تسعى إلى استعادة أكبر قدر ممكن من السيادة الشكلية والسياسية، ترى في الاتفاق مدخلًا لإعادة دمج مناطق شرق الفرات ضمن الدولة، ولو تدريجيًا.

أما «قسد»، فتدرك أن الحماية الأمريكية ليست ضمانة أبدية، وأن التحولات في واشنطن، خصوصًا مع عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي، تفرض البحث عن مظلة بديلة تمنع الانهيار أو الاجتياح التركي. والاتفاق، بحسب ما رشح من بنوده العامة، يركّز على:

التنسيق الأمني،

ضبط الحدود،

إدارة الموارد،

وفتح قنوات سياسية مستقبلية حول شكل الإدارة المحلية. لكنه يتجنب، حتى الآن، القضايا الجوهرية مثل الاعتراف الدستوري بالإدارة الذاتية أو الحقوق القومية للكُرد.

ثانيًا: الوضع الكُردي الراهن… بين القلق والبراغماتية

يمرّ الكُرد في سوريا بمرحلة دقيقة. فمن جهة، يمتلكون تجربة إدارية وسياسية وعسكرية غير مسبوقة منذ تأسيس الدولة السورية. ومن جهة أخرى، يواجهون:

ضغطًا تركيًا مستمرًا،

غموضًا أمريكيًا،

تصلّبًا تاريخيًا من دمشق تجاه أي صيغة لا مركزية حقيقية.

الشارع الكُردي ينظر إلى الاتفاق بحذر شديد، خوفًا من أن يتحول إلى تفكيك تدريجي لمكتسبات الإدارة الذاتية دون ضمانات دستورية أو دولية. وفي الوقت نفسه، هناك إدراك متزايد بأن الواقعية السياسية تفرض التفاوض، لا سيما في ظل انسداد أفق الحل العسكري أو الانفصالي.

ثالثًا: تركيا… اللاعب الصامت الحاضر بقوة

رغم غياب أنقرة عن الصورة الرسمية للاتفاق، إلا أن بصماتها حاضرة بقوة. فتركيا ترفض أي كيان كُردي مستقل أو شبه مستقل على حدودها،و ترى في «قسد» امتدادًا لحزب العمال الكُردستاني،وتستخدم ورقة الأمن القومي للضغط على واشنطن وموسكو ودمشق على حد سواء.

ان التفاهم بين دمشق و«قسد» قد يخدم تركيا من زاوية تحجيم الدور الأمريكي، لكنه يقلقها إذا ما أدى إلى شرعنة الوجود السياسي الكُردي. لذلك يُرجَّح أن أنقرة تراقب، وتضغط عبر القنوات الخلفية، وتنتظر لحظة التدخل إذا شعرت بأن التوازن يميل ضدها.

رابعًا: الموقف الأمريكي والأوروبي… إدارة الأزمة لا حلّها

الولايات المتحدة، رغم استمرار وجودها العسكري شرق الفرات، تتعامل مع الملف السوري بمنطق إدارة المخاطر لا صناعة الحلول. واشنطن تريد:

منع عودة «داعش»،

احتواء النفوذ الإيراني،

وتفادي صدام مباشر بين «قسد» وتركيا.

أما أوروبا، فموقفها أضعف، يقتصر على الدعم الإنساني،والخطاب الحقوقي،والتخوف من موجات لجوء جديدة. ولا توجد حتى الآن إرادة غربية حقيقية لفرض حل سياسي شامل، ما يترك الأطراف المحلية في سباق مع الزمن.

دلالات سياسية

خامسًا: دور توم باراك واجتماعات أربيل… رسائل متعددة الاتجاهات

تكتسب زيارة توم باراك مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى إقليم كُردستان العراق، ولقاءاته مع الزعيم مسعود بارزاني، ورئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة مسرور بارزاني بحضور قائد «قسد» مظلوم عبدي، دلالات سياسية عميقة. ورغم غياب بيانات تفصيلية رسمية عن اللقاء، إلا أن قراءة السياق تشير إلى أن الاجتماع تناول:

مستقبل كُرد سوريا بعد أي انسحاب أو إعادة تموضع أمريكي،

سبل حماية الكُرد من سيناريو الصدام مع دمشق أو أنقرة،

وإمكانية لعب إقليم كُردستان دور الوسيط والضامن السياسي.

ويجب القول أن إقليم كُردستان، بخبرته الطويلة مع بغداد وواشنطن، يدرك حساسية اللحظة، ويحاول وفق ما يتاح له إنقاذ ما يمكن إنقاذه من التجربة الكُردية في سوريا، عبر النصيحة، والوساطة، وربما الدفع نحو وحدة الصف الكُردي السوري.

سادسًا: مستقبل الإدارة الذاتية… بين الاندماج والتآكل

سياسيًا، مستقبل الإدارة الذاتية مرهون بـ:

قدرتها على التفاوض كجسم موحد،

انتزاع ضمانات دستورية،

والحفاظ على دعم دولي ولو محدود.

أما اقتصاديًا، الاتفاق قد يفتح الباب أمام تقاسم الموارد النفطية والزراعية،وتخفيف الحصار،لكن مع خطر فقدان الاستقلال المالي تدريجيًا لصالح المركز.

والسيناريو الأخطر هو الذوبان البطيء للإدارة الذاتية دون مقابل سياسي حقيقي.

إن الاتفاق بين دمشق و«قسد» ليس نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي الهادئ.

القضية الكُردية في سوريا تقف اليوم عند مفترق طرق:

إما التحول إلى ملف دستوري معترف به، أو العودة إلى هامش التاريخ تحت عناوين السيادة والوحدة ؟!.

وما سيُحسم في الغرف المغلقة بواشنطن، وأنقرة، ودمشق، وأربيل، سيكون له أثر مباشر على مستقبل ملايين السوريين، وعلى شكل سوريا التي لم تولد بعد ؟.

 


مشاهدات 71
الكاتب آريان ابراهيم شوكت
أضيف 2026/01/23 - 4:18 PM
آخر تحديث 2026/01/24 - 1:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 49 الشهر 17935 الكلي 13525358
الوقت الآن
السبت 2026/1/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير