هل تحسم الصواريخ الحروب .. أم الفواتير ؟
أسامة أبو شعير
ليست كل الحروب تُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت، بل بعدد الفواتير التي لا تظهر في نشرات الأخبار. فالحروب قد تبدأ في غرف العمليات العسكرية، حيث تُرسم الخطط وتُحسب المسافات بين القواعد والمنشآت، لكنها كثيراً ما تنتهي في مكان أكثر هدوءاً: في دفاتر الحسابات. ولهذا فإن السؤال الذي يبدو بسيطاً في ظاهره قد يكون أكثر الأسئلة إزعاجاً في جوهره: من يدفع ثمن هذه الحرب؟
حين يُطرح هذا السؤال يتغير المشهد قليلاً. فبدلاً من النظر إلى الحرب بوصفها مواجهة بين جيوش، تبدأ طبقة أخرى من الحقيقة في الظهور: طبقة الاقتصاد الذي يمول هذه الجيوش، والأسواق التي تتأثر بها، والمجتمعات التي تتحمل كلفتها. وعند هذه النقطة يصبح السؤال عن نهاية الحرب سؤالاً مختلفاً تماماً. فالحروب قد تبدأ عندما يعتقد طرف ما أنه قادر على تحقيق أهدافه بالقوة، لكنها غالباً ما تنتهي عندما يبدأ الجميع في حساب كلفة الاستمرار. إذا نظرنا إلى الأهداف المعلنة للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، نجد أنها تدور حول تعطيل البرنامج النووي الإيراني وتقليص قدراته العسكرية والصاروخية. غير أن وضوح هذه الأهداف لا يلغي السؤال الأعمق: ما الكلفة التي يمكن تحملها لتحقيقها؟
فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط بما تحققه من نتائج عسكرية، بل بما تفرضه من أثمان اقتصادية. وهذه الحرب تحديداً لا تقع في منطقة هامشية من الاقتصاد العالمي، بل في قلب النظام الطاقوي الذي يغذي الاقتصاد العالمي. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يومياً، يمثل نقطة توازن حساسة بين الجغرافيا والاقتصاد. وأي اضطراب طويل في هذا الممر لا يرفع أسعار النفط فقط، بل يضيف ضغوطاً إضافية على الاقتصاد العالمي من خلال التضخم وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنحو عشرة دولارات للبرميل قد يضيف ما يقارب 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم العالمية، وهو ما يجعل أي تصعيد طويل في هذه المنطقة قضية اقتصادية عالمية لا إقليمية فقط.
قوة عسكرية
وفي هذا السياق تظهر مفارقة أخرى في الحروب الحديثة. فالكلفة لا تتعلق فقط بحجم القوة العسكرية، بل أيضاً بتكلفة الأدوات المستخدمة فيها. فأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية المتقدمة قد تبلغ كلفة الواحد منها ملايين الدولارات، في حين يمكن للطائرات المسيّرة أو الصواريخ منخفضة الكلفة أن تُنتج بأثمان أقل بكثير. وهذا يعني أن بعض استراتيجيات الحرب لا تقوم على تحقيق نصر عسكري مباشر، بل على إطالة أمد المواجهة بحيث تصبح كلفة الدفاع أعلى من كلفة الهجوم. ومع مرور الوقت يتحول ميزان الحرب من حساب الصواريخ إلى حساب الفواتير.
وعندما توضع هذه الحقيقة في سياقها الأوسع يظهر سؤال أكثر تعقيداً: من يستطيع تحمل كلفة الاستمرار؟ فالولايات المتحدة تمتلك أكبر اقتصاد في العالم، يتجاوز حجمه خمسة وعشرين تريليون دولار ويشكل ما يقارب ربع الاقتصاد العالمي، ما يمنحها قدرة كبيرة على تمويل عمليات عسكرية طويلة نسبياً. لكن هذه القدرة ليست بلا حدود، فكل حرب طويلة تضيف أعباء جديدة إلى الموازنات العامة وتعيد فتح النقاش الداخلي حول أولويات الإنفاق.
إسرائيل، من جانبها، تمتلك تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً واضحاً، لكنها تعتمد أيضاً على اقتصاد شديد الحساسية للاستقرار الأمني وثقة الأسواق. أما إيران، التي عاشت سنوات طويلة تحت العقوبات، فقد طورت اقتصاداً أكثر قدرة على التكيف مع الضغوط، يعتمد بدرجة أكبر على الإنتاج المحلي وشبكات اقتصادية بديلة.
لكن كلفة الحرب لا تتوقف عند حدود الدول المتحاربة. فمع اتساع نطاق الضربات وتعطل أجزاء من المجال الجوي في المنطقة، توقفت آلاف الرحلات الجوية في الشرق الأوسط، وتأثرت حركة الملاحة وسلاسل الإمداد في الخليج العربي. وهكذا تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى موجة ارتدادية اقتصادية تصيب المنطقة بأكملها، حيث تتأثر اقتصادات الخليج والعراق والأردن وبقية دول الجوار بتقلبات الأسواق واضطراب التجارة والطاقة.
مفارقة قديمة
وهنا تظهر مفارقة قديمة يعرفها التاريخ جيداً. فالحروب تُخاض عادة بلغة الحماسة والشعارات الكبرى، لكن استمرارها يعتمد في النهاية على حسابات أكثر برودة. الدول تدخل المعارك وهي تتحدث عن النصر، لكنها نادراً ما تتحدث عن الفاتورة. ومع مرور الوقت تبدأ هذه الفاتورة في الظهور، لا في رقم واحد واضح، بل في ضغوط اقتصادية متراكمة وموازنات تزداد ثقلاً عاماً بعد عام.
عبء اقتصادي
وليس التاريخ بعيداً عن هذه المفارقة. فالحرب في فيتنام، على سبيل المثال، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية طويلة، بل تحولت مع مرور الوقت إلى عبء اقتصادي وسياسي ثقيل على الولايات المتحدة. وحتى الحروب الأقصر زمناً كشفت أن النصر العسكري قد يكون سريعاً، لكن تكاليفه الاقتصادية تمتد لسنوات طويلة بعد توقف القتال.
ومع ذلك فإن الاقتصاد ليس الفاتورة الوحيدة للحروب. فالحروب تترك أيضاً خسائر بشرية عميقة لا يمكن قياسها بالأرقام وحدها. لكن التاريخ يكشف مفارقة قاسية: فالدول قد تستمر في القتال رغم ارتفاع الكلفة الإنسانية، لكنها تبدأ بالتراجع عندما تصبح الكلفة الاقتصادية والسياسية غير قابلة للاستمرار.
ولهذا فإن الاقتصاد لا يحدد وحده نهاية الحروب، لكنه كثيراً ما يحدد لحظة التوقف عنها. فالحروب تحتاج أيضاً إلى قصة سياسية تُروى للجمهور. فالجماهير في زمن الحرب لا تبحث عن توازن الحسابات بقدر ما تبحث عن معنى للنصر. ولهذا غالباً ما تنتهي الحروب بإعلان نجاح جزئي يمكن تقديمه بوصفه إنجازاً استراتيجياً.
لكن خلف هذه اللغة السياسية يبقى العامل الاقتصادي يعمل بصمت. فكل يوم تستمر فيه الحرب يضيف طبقة جديدة من الضغوط على الاقتصادات وعلى المجتمعات التي تمولها. ومع مرور الوقت يتحول السؤال الفلسفي الأول إلى سؤال عملي جداً: هل صُممت هذه الحرب لتحقيق نصر كامل، أم لتحقيق نتيجة يمكن إعلانها كنصر قبل أن تصبح كلفتها غير محتملة؟
فالتاريخ العسكري مليء بمفارقة متكررة: كثير من الحروب لم تنتهِ عندما نفدت الذخيرة، بل عندما بدأت الخزائن تفقد قدرتها على تمويلها. ولهذا فإن النهاية الأكثر واقعية للحروب ليست دائماً تلك اللحظة التي تختفي فيها أسباب الصراع، بل اللحظة التي يقتنع فيها الجميع بصمت أن الاستمرار لم يعد يضيف شيئاً جديداً. فالمدافع قد تصنع لحظة النصر، لكن الفواتير هي التي تقرر متى تنتهي الحروب.
غير أن الأثر الأعمق للحروب لا يظهر فقط في ميزانيات الدول، بل في مستقبل المجتمعات نفسها. فكل حرب طويلة لا تُدفع كلفتها في الموازنات فقط، بل في المدارس التي تتأخر، وفي مشاريع التنمية التي تتراجع، وفي الأجيال التي كان يمكن أن تبني المستقبل لو لم تُستهلك مواردها في الصراع. ولهذا ربما يكون الدرس الأكثر هدوءاً في كل حرب أن السلام لا يبدأ فقط عند توقيع الاتفاقيات، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تختار المجتمعات أن تستثمر مواردها في التعليم والتنمية أكثر مما تستثمرها في الصواريخ.
خبير اقتصادي ومستشار دولي في التعليم والتنمية