أرواح سائبة
اميمة ابراهيم السامرائي
لم تبدأ الحكاية بعضة، بل بصمت طويل سمح للمشكلات أن تكبر بهدوء بعيدا عن الكاميرات حتى إذا خرجت إلى الشارع فجأة بدت كأنها هبطت من فراغ. هكذا ظهرت الكلاب السائبة في المشهد العام فهي لم تأت من خارج المدن، بل عاشت سنوات في الهامش على أطراف الإهمال.
في البداية كان وجودها مألوفا، واعتادت مدننا التعايش معها. ومع غياب برامج السيطرة وتراكم النفايات واتساع الأطراف السكنية وغياب الخدمات، بدأت الأعداد ترتفع ببطء. كلبان يصبحان عشرة والعشرة مئات، ولا أحد يحصي. ثم تغير المشهد فجأة فلم نعد نحصي الكلاب بل من يتعرض لهجومها؛ أطفال يذهبون إلى مدارسهم بقلق ومارة يمشون في الازقة وهم لا يستبعدون أن يكونوا الهدف التالي لهجوم مفاجئ. عند هذه النقطة فقط انتقل الملف من خانة المؤجل إلى خانة الطوارئ, وما كان غير مرئي أصبح فجأة تهديدا يجب التخلص منه بسرعة. وهكذا انطلقت حملات واسعة وأعلنت أرقام كبيرة بثقة عن تقليص الأعداد. غير أن القتل العشوائي لا يوقف المشكلة، بل يعيد إنتاجها بطريقة أكثر تعقيدا. اذ تفسر منظمات إدارة الحياة البرية والبيئية هذا الاجراء بما يعرف بـ(الفراغ البيئي)، حيث لا تبقى المنطقة فارغة بعد الإزالة المفاجئة، بل تجذب كلابا أخرى من المحيط أو تتوسع فيها الكلاب المتبقية. ومع الجوع والتنافس تزداد حركة الحيوانات نحو البشر بدلا من أن تتراجع.
هنا دخلت حقوق الحيوان إلى النقاش، لا بوصفها خطابا عاطفيا، بل سؤالا إداريا مباشرا: هل يمكن حماية الإنسان دون صناعة خطر مواز؟ وارتفعت أصوات تعترض على الرصاص والتسميم في الأماكن العامة لا دفاعا عن العضة، بل اعتراضا على وسيلة قد تصل إلى طفل أو حيوان أليف قبل أن تصيب هدفها المعلن.
الكلاب السائبة ليست سبب الأزمة، بل نتيجتها, نتيجة لغياب إدارة النفايات والتخطيط الحضري والرؤية البيطرية. وهكذا لم تعد القضية قضية حيوان ولا قضية أمن فحسب، بل مرآة مصغرة لأزمة إدارة أوسع وقرارات سريعة تجعل الجميع خاسرا: الإنسان بلا أمان دائم , والحيوان بلا معاملة إنسانية , والمدينة بلا توازن. وبقي السؤال الحقيقي بلا جواب, كيف تدار مدينة عندما تدار أزماتها بالصدفة؟