الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ماجد صالح السامرائي.. الصحفي المتشح بثوب الثقافة


ماجد صالح السامرائي.. الصحفي المتشح بثوب الثقافة

ياس خضير البياتي

 

ليس من السهل الكتابة عن ماجد صالح السامرائي بوصفه سيرة فردية معزولة، لان تجربته تمتد لتلامس جيلا كاملا من الصحفيين والكتاب الذين تشكل وعيهم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، داخل واحدة من أكثر مراحل الثقافة العراقية كثافة وتعقيدا.

فهو ليس مجرد اسم مر في الصحافة، بل علامة ثقافية ارتبطت بالكلمة الرصينة، والعمل المهني الصبور، والنظر الى الاعلام بوصفه فعلا معرفيا ومسؤولية اخلاقية.

لا يستطيع من يؤرخ لحركة الثقافة العراقية الحديثة الا ان يقف عند تجربة ماجد صالح السامرائي، لا بوصفها سيرة فرد، بل بوصفها شهادة زمن، ودليلا على ان الكلمة حين تكتب بوعي واخلاص، تظل حاضرة مهما تغيرت الازمنة.

مقتبل العمر

ولد ماجد صالح السامرائي عام 1945 في مدينة سامراء، المدينة التي تحمل تاريخا روحيا وثقافيا عميقا، وفيها تفتحت مبكرا علاقته بالقراءة والمعرفة.

دخل عالم الصحافة في سن مبكرة، وكتب اول مقال له في جريدة الشرق عام 1961، وهو ما يزال في مقتبل العمر، في دلالة واضحة على ميل مبكر للكلمة المكتوبة بوصفها اداة تعبير ووسيلة فهم للعالم.

درس الصحافة والاعلام في كلية الآداب بجامعة بغداد، وتخرج فيها عام 1969، في وقت كانت فيه بنية الاعلام العراقي تشهد تحولات جوهرية.

بعد تخرجه عين في عدة مراكز اعلامية، متنقلا بين العمل الصحفي والتحريري، ومؤمنا بان الاعلام ليس مهنة تقنية، بل ممارسة ثقافية تتطلب معرفة واسعة وحسا نقديا وقدرة على قراءة السياق العام.

في عام 1968 تولّى ماجد صالح السامرائي مهمة سكرتير تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون، وفي هذه المرحلة الثانية من صدور المجلة لم يُعيَّن رئيس تحرير رسمي، بل أُسندت مسؤولية إدارتها التحريرية فعليًا إلى سكرتير التحرير. وكانت المجلة قد صدرت في مرحلتها الأولى عام 1959 باسم (هنا بغداد)، وكرّست صفحاتها لبرامج الإذاعة والتلفاز وبعض المواد الفنية، وتعاقب على رئاستها آنذاك ياسين الحسيني والقاص عبد الجبار الحكيم.

في سبعينيات القرن الماضي، تبلورت تجربته المهنية بشكل اوضح، حين تولى مواقع تحريرية مؤثرة في الصحافة العراقية. بين عامي 1977 و1992 شغل منصب رئيس القسم الثقافي في صحيفة الجمهورية البغدادية، وهي مرحلة تعد من اغنى مراحل الصحافة الثقافية العراقية.

في تلك السنوات تحولت صفحة (آفاق)، التي كان يشرف على تحريرها، الى واحدة من اهم الصفحات الثقافية، بما قدمته من تنوع معرفي وعمق نقدي، وبما اسهمت به في تكوين ذائقة اجيال من القراء والكتاب.

لم تكن صفحة(آفاق) مجرد مساحة للنشر، بل مشروع ثقافي متكامل. اهتمت بالنقد الادبي، وعروض الكتب، والفكر، والفلسفة، والتاريخ، والعلوم الانسانية، وكانت تتابع الجديد في الثقافة العراقية والعربية والعالمية.

خصص يوم الجمعة ليكون يوما للكتاب، وامتلأت الصفحة باخبار الاصدارات الجديدة ومراجعاتها، وكثيرا ما كتب افتتاحياتها من دون توقيع، ايمانا بان الفكرة اهم من الاسم.

بعد ذلك، تولى رئاسة تحرير مجلة الاقلام للأدب الحديث بين عامي 1994 و2003، وهي مجلة لعبت دورا مهما في متابعة الحركة الادبية والنقدية العراقية.

كما اسس مجلة الموقف الثقافي، التي اتخذت من الاسئلة الفكرية الكبرى محور اهتمامها. وكان عضوا في اللجنة العليا لمهرجان المربد الشعري، واحد المشرفين على حلقته الدراسية، وعضوا في جمعية البحوث والدراسات.

يبرع السامرائي في فنّ المقالة الأدبية بمهارةٍ استمدّ جذوتها من خبرته الصحفية، فأتقن الإمساك باللحظة واللغة معًا، وجعل من المقالة فضاءً مفتوحًا للتأمل والمعرفة.

بدأت تجربته باستذكاراتٍ سِيرية ذاتية، ظهرت ملامحها الأولى في كتابيه «الماء والنار» (1986) و«صخرة البداية» (1988) ، حيث كتب الذات لا بوصفها سيرة مغلقة، بل نافذة لفهم العالم وتحولاته. ومع نضج التجربة، تبلورت المقالة لديه لتغدو صيغةً فكرية مركّبة، تمزج النقد الأدبي بالتأمل الفكري، وتنهض على سؤال المعرفة لا على وصف الحدث، فغدت مقالته مساحةً حرة يلتقي فيها الأدب بالفكر، وتتحول فيها اللغة من أداة تعبير إلى أفقٍ معرفي يعيد مساءلة الواقع والنص معًا.

الى جانب عمله الصحفي والثقافي، ترك السامرائي ارثا فكريا ونقديا واسعا، تمثل في عدد كبير من الكتب التي تنوعت بين النقد الادبي، والحوار الفكري، والدراسة الثقافية، من بينها النار الازلية، رسائل السياب، شاذل طاقة دراسة ومختارات، رؤيا العصر الغاضب، حوار في دوافع الابداع مع جبرا ابراهيم جبرا، تجليات الحداثة، الثقافة والحرية، سؤال الحرية، الماء والنار، بحر من الوهم، وغيرها من الكتب التي اصبحت مراجع مهمة في الثقافة العربية المعاصرة. نال خلال مسيرته عددا من التكريمات، من بينها درع مهرجان جرش ودرع جامعة الموصل، تقديرا لإسهاماته الفكرية والاعلامية.

مجلة الفنون

وعلى المستوى الشخصي، عملت معه عن قرب في مجلة فنون، حين كنت سكرتير تحرير ثم رئيس تحرير. كانت تلك السنوات كاشفة لطبيعته المهنية والانسانية.

كان حريصا ودقيقا في عمله، صارما مع نفسه قبل غيره، لا يتهاون في المواعيد، ويحرص على تسليم صفحته الثقافية الاسبوعية مكتملة الفكرة، واضحة الرؤية، خالية من الارتجال. لم تكن الصفحة عنده عملا روتينيا، بل مسؤولية معرفية واخلاقية.

كان مثقفا موسوعيا، واسع الاطلاع، مغرما بالتنقيب عن المعلومة الجديدة والأسماء المؤثرة، ومتابعا لما يكتب في الثقافة العربية، باحثا دائما عن الاسم المختلف والفكرة الطازجة.

علاقاته برجال الثقافة والفكر كانت واسعة، لكنها قامت على الاحترام والمعرفة لا على المجاملة. في تعامله المهني كان اخلاقيا وموضوعيا، لا ينحاز الا للنص الجيد، ولا يسمح للعلاقات الشخصية ان تتقدم على المعايير.

عشت معه سنوات في نهاية السبعينيات، ولم أجد فيه سوى الكاتب الملتزم والصحفي الوطني الذي يرى الثقافة شأنًا عامًا لا ترفًا. ظل وفياً لمواقفه الفكرية والأخلاقية، وحتى بعد عام 2003 بقي ثابتًا على موقفه الوطني، رافضًا الاحتلال، متمسكًا باستقلال الكلمة، ومؤمنًا بأن دور المثقف هو قول الحقيقة لا تبرير الواقع.

وفي آخر تغريدة له على صفحته في فيسبوك، ترك حكمة موجزة، حسجة ومقصودة، تعكس الواقع الحالي كما يراه: «لا تتسابق مع الحمير، فإن هزموك خسرت المعنى، وإن فزت لم تربح سوى لقب أفضل حمير

 


مشاهدات 60
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/01/23 - 2:25 PM
آخر تحديث 2026/01/25 - 3:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 168 الشهر 18808 الكلي 13526231
الوقت الآن
الأحد 2026/1/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير