الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نصب الحرية

بواسطة azzaman

نصب الحرية

منتصر صباح الحسناوي

 

في الثالث والعشرين من كانون الثاني، رحل جواد سليم، وبقي جدار بغداد الأبيض يذكّرنا بأنّ الحرية امتحانٌ لا ينتهي ، في هذه الذكرى أستعيد نصب الحرية كضميرٍ يذكّرنا أن الحريّة امتحانٌ لا ينتهي، صباحٌ في بغداد تمرّ به تحت الجدار الأبيض في ساحة التحرير، إذ تصطفّ تلك الأشكال البرونزية برمزيةٍ على امتداد النصب، تراقب الناس بعيونٍ لا تنام.

يمضي العابرون في صخب الحياة اليومية، منهم من لا يرفع رأسه، ومنهم من يلتقط صورةً أسفل النصب، وآخرون يرونه هويةً للحرية، لكنّهم يعيشون في ظلال السؤال المعلّق هناك منذ أكثر من ستين عاماً: هل نالت البلاد حريتها فعلا؟

عندما أُنجز النصب سنة 1961 كان العراق يعيش نشوة التحوّل بعد ثورة الرابع عشر من تموز التي رفعت شعار العدالة والمساواة وأنهت عهداً ملكياً امتدّ لأكثر من ثلاثة عقود.

عندها فُوّض جواد سليم بصياغة الحلم على شكل عملٍ فني، اختار أن يجعل الجدار رمزاً بصرياً يروي حكاية الإنسان العراقي ورحلته الأبدية من الخوف إلى الحرية.

يتكوّن النصب من أربعة عشر مشهداً تُقرأ من اليمين إلى اليسار: تبدأ بوجوهٍ مقموعة وأجسادٍ مقيّدة وأمهاتٍ يبكين أبناءهنّ ثم تتصاعد الحركة مع صور الغضب والتمرّد لتبلغ ذروتها في مشهد المرأة الطائرة التي تحمل سنابل القمح وغصن الزيتون.

كانت تلك المرأة في رؤية جواد، رمزَ الوطن حين ينهض من موته ووعدَ الخصب حين تُستعاد الكرامة.

اعوام قليلة

غير أنّ المسافة بين النصب والواقع كانت كبيرة، فبعد أعوامٍ قليلة من قيام الجمهورية غابت العدالة خلف صراع الأحزاب والانقلابات وتحوّل شعار الحرية إلى شعارٍ مراقَب.

تحرّر الناس من التاج، غير أنّ الخوف بقي تاجاً آخر على رؤوسهم.

 استبدلوا صورة الملك بصورة القائد، وتحوّل الحلم المدني إلى ساحةٍ عسكرية فكان السؤال أعمق: أكانت الثورة بداية حرية أم مجرّد تبديلٍ في الوجوه؟

النظام الملكي، على ما فيه من طبقيةٍ وتبعية كان قد منح البلاد شيئاً من التوازن المؤسساتي والتعليم والعمران، لكنّه ظلّ بعيداً عن الفقراء.

أمّا النظام الجمهوري فقد حمل شعارات المساواة ثم غرق في صراعات الأيديولوجيا والسلطة.

وفي الحالتين، ظلّ المواطن هو الخاسر الأكبر، يطلب تلك الحرية من جدارٍ صامتٍ في قلب العاصمة.

جواد سليم، الذي توفّي قبل أن يرى النصب مكتملاً، ترك خلفه ضميراً بصرياً يشحذ الهمم وهويةً فنية لا يمكن تجاوزها.

استلهم من النقوش الرافدينية القديمة روحها الصارمة ومن الإنسان المعاصر قلقه، فمزج بين الحجر والأسطورة ليقول إن الحرية تتعدى السياسة لتكون حالة وعيٍ داخلي.

وربّما كان يدرك أنّ النصب سيتجاوز زمن تلك الثورة إلى زمنٍ آخر، يقف الناس تحته تارةً ليحتفلوا وتارةً ليحتجّوا من جديد بحثاً عن الحلم ذاته.

لقد أثبت الزمن أنّ الفن أطول عمراً من السياسة وأنّ الأعمال الصادقة، تلك التي لا يمنحها نظامٌ ولا يسلبها عهد.

قد يكون نصب الحرية أُنشئ كرمزيةٍ لزمنٍ مضى، لكنّ الشخوص المعلّقة في الهواء تذكّرنا بأنّ الطريق إلى الحرية في العراق لم تكن يوماً هديةً، بقدر ما هي امتحاناً يتكرر مع كل جيل.

ففي كل مرة نمرّ تحت الجدار الأبيض، نعيد خوض الامتحان ذاته: أن نحيا أحراراً رغم مطّبات التاريخ.


مشاهدات 17
الكاتب منتصر صباح الحسناوي
أضيف 2026/01/19 - 3:07 PM
آخر تحديث 2026/01/20 - 2:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 14849 الكلي 13122272
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير