الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ثورة ضد لمعان الوعود

بواسطة azzaman

ثورة ضد لمعان الوعود

ثامر محمود مراد

 

لسنا ضحايا الخداع وحده، بل ضحايا حاجتنا العميقة إلى التصديق. فالوعود لا تسيطر لأنها صادقة، بل لأنها تُقال في لحظة وهنٍ جماعي، حين يصبح الأمل استعجالًا، والحقيقة عبئًا ثقيلًا على الروح. في مثل هذه اللحظات، يُستبدل المعنى باللمعان، ويُقاس الصدق بقدرته على الإقناع لا على الوفاء.

نحن نعيش زمنًا تُدار فيه الكلمات كأدوات سلطة. لا تُطلَب الحقيقة، بل الطمأنينة المؤقتة. لا يُكافأ السؤال، بل الصمت المتفهم. وحين تتهاوى النتائج، لا تسقط الخطابات، بل يُعاد تأثيثها بلغة جديدة، فيما يُطالَب الناس بالمزيد من الصبر، وكأن الانتظار فضيلة قائمة بذاتها.

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس الكذب، بل اعتيادُه. حين تتكرر الخيبة، لا ينشأ الوعي بالضرورة، بل قد تنشأ البلادة. يتعلّم الإنسان أن يخفّف أحلامه كي لا يتألم، وأن يساوم على حقه في الدهشة، وأن يقبل بالبريق شرطًا وحيدًا للاستمرار. هكذا، لا تُكسَر الإرادة دفعة واحدة، بل تُنهَك حتى تتوقف عن الاحتجاج.

هذا البيان ليس دعوة إلى اليأس، ولا إلى الارتياب المطلق. إنه نداء لإعادة ترتيب العلاقة مع الوعود، ولتحرير الأمل من الاستخدام الرديء. فالأمل الذي لا يُسائَل يتحول إلى عبء، والثقة التي لا تُختبَر تصبح مشاركة غير واعية في الخداع.

نعلن هنا موقفًا بسيطًا وحادًا: لسنا مطالبين بتصديق كل ما يلمع، ولا بتبرير كل ما يؤلم. لسنا مدينين للخطابات بشيء، بل مدينون لوعينا بالمسافة. فبين الوعد وحقيقته، يجب أن يقف السؤال، لا التصفيق.

هذا بيان ضد البريق حين يتقدّم على المعنى، وضد الوعد حين يُستَخدم لإدارة الخضوع لا لبناء المستقبل. بيان لصالح الإنسان حين يختار أن يرى، حتى لو خسر بعض الأوهام.

 

 

 

 

 


مشاهدات 66
الكاتب ثامر محمود مراد
أضيف 2026/01/17 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/01/18 - 3:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 103 الشهر 13076 الكلي 13120499
الوقت الآن
الأحد 2026/1/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير